د. عبدالمحسن الرحيمي
كم شركة يمكن أن تولدها جامعة واحدة من المعرفة التي تنتجها؟
هذا السؤال يكشف تحولًا عميقًا في وظيفة الجامعة الحديثة. فقد أصبحت بعض الجامعات العالمية بيئات قادرة على تحويل البحث العلمي إلى شركات وتقنيات ومنتجات تصل إلى الأسواق. فجامعة أكسفورد أصبحت نموذجًا عالميًا في بناء الشركات المنبثقة من الأبحاث العلمية، كما تحولت جامعة كامبريدج إلى أحد أهم مراكز الابتكار في العالم من خلال الشركات التي نشأت حول أبحاثها في مجالات التقنية والعلوم الحيوية والهندسة.
هذه التجارب تكشف تغيرًا جوهريًا في العلاقة بين المعرفة والاقتصاد. فالبحث العلمي أصبح جزءًا من منظومة إنتاجية تتجاوز النشر الأكاديمي، لتصل إلى تطوير حلول وتقنيات وشركات تسهم في التنمية وتدعم الاقتصاد المعرفي.
ولهذا أصبحت الجامعة الحديثة مطالبة ببناء منظومة تجعل المعرفة تنتقل من المختبر إلى المجتمع، ومن الفكرة إلى التطبيق، ومن البحث العلمي إلى منتجات وحلول ذات قيمة اقتصادية ووطنية.
ويتطلب ذلك تكامل عناصر متعددة تشمل البحث العلمي، وحماية الملكية الفكرية، ونقل التقنية، والاستثمار، والشراكات مع القطاعات المختلفة.
وقد تطور دور الجامعة عبر مراحل متتابعة؛ فالنموذج البحثي ركز على إنتاج المعرفة العلمية، ثم توسع دور الجامعة مع النموذج الريادي الذي ربطها بالابتكار وريادة الأعمال والتعاون مع الصناعة. أما المرحلة القادمة فتتطلب نموذجًا أكثر تقدمًا؛ جامعات تمتلك القدرة على بناء منظومات ابتكار تنتج الشركات والحلول المرتبطة بالأولويات الوطنية.
إن بناء منصة وطنية للابتكار يبدأ من إعادة تصميم رحلة الفكرة داخل الجامعة. فالابتكار البحثي أو الطلابي يحتاج إلى مسار متكامل يبدأ باكتشاف المواهب، وتنمية المهارات، وتطوير النماذج الأولية، ثم الانتقال إلى مرحلة التأسيس والاستثمار والنمو.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من تنظيم فعاليات الابتكار إلى بناء منظومة مستدامة للابتكار. فالهاكاثونات والمسابقات تؤدي دورًا مهمًا في اكتشاف الأفكار وتحفيز الطلاب، لكنها تمثل نقطة انطلاق تحتاج إلى مسار مؤسسي يحول الأفكار الواعدة إلى مشاريع، ثم إلى شركات ناشئة قادرة على النمو وخلق الوظائف وتقديم حلول للسوق.
تحتاج الجامعات لتحقيق ذلك إلى بيئة تشجع الطلاب والباحثين على الانتقال من اكتشاف المشكلات إلى تطوير الحلول. ويتطلب هذا توفير برامج متخصصة في ريادة الأعمال، والإرشاد، والبنية التقنية، والتمويل المبكر، وربط أصحاب الأفكار بالقطاعات القادرة على تحويل الابتكارات إلى تطبيقات.
فالطالب الجامعي في اقتصاد المعرفة يمكن أن يكون شريكًا في دورة الابتكار، لا مجرد متلقٍ للمعرفة. وعندما تصبح ثقافة الابتكار جزءًا من البيئة الجامعية، فإن الجامعة تسهم في بناء جيل قادر على تأسيس المشاريع، وقيادة التحولات التقنية، والمشاركة في تطوير حلول للتحديات الوطنية.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي يظهر مفهوم جديد يمكن تسميته الابتكار التوليدي. فكما مكّن الذكاء التوليدي الأنظمة الذكية من إنتاج محتوى وأفكار ونماذج جديدة اعتمادًا على البيانات والمعرفة، فإن الابتكار التوليدي يعبر عن قدرة المؤسسة الجامعية على إنتاج تدفقات مستمرة من الأفكار والحلول والمشاريع والشركات من خلال التكامل بين العقل البشري، والبيانات، والبحث العلمي، والتقنيات الذكية.
ويمثل الابتكار التوليدي تحولًا في فهم عملية الابتكار نفسها؛ إذ ينتقل الابتكار من كونه مشروعًا محددًا أو مبادرة مؤقتة إلى قدرة مؤسسية متراكمة. فكل بحث علمي، وكل تحدٍّ وطني، وكل قاعدة بيانات يمكن أن تصبح بداية لمسار جديد من الاكتشاف والتطوير والتطبيق.
وفي هذا النموذج لا تقتصر مهمة الجامعة على احتضان الأفكار الموجودة، بل تصبح بيئة قادرة على توليد الأفكار، ورعاية المواهب، وبناء الشركات، وإنتاج حلول مرتبطة باحتياجات المجتمع والاقتصاد.
كما أن الشركات المنبثقة من الجامعات تحتاج إلى إطار معرفي وطني يربط بين الجامعات، ومراكز البحث، والمستثمرين، والقطاعات الحكومية والخاصة. فالشركة المعرفية تحتاج إلى منظومة متكاملة توفر البيانات، والبنية البحثية، والخبرات المتخصصة، وحماية الملكية الفكرية، والتمويل، والوصول إلى الأسواق.
وفي المملكة العربية السعودية، يمثل هذا التحول فرصة مهمة في ظل رؤية المملكة 2030 التي جعلت الابتكار وتنمية رأس المال البشري واقتصاد المعرفة من المحاور الرئيسة للتنمية. وتمتلك الجامعات السعودية اليوم مقومات مهمة تشمل البنية البحثية، والمراكز العلمية، والمعامل المتقدمة، والكفاءات الوطنية، والشراكات المتنامية مع مختلف القطاعات.
لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مبادرات الابتكار المتفرقة إلى منظومات مترابطة تجمع التعليم والبحث وريادة الأعمال والاستثمار ضمن مسار وطني واضح. فالهدف ليس زيادة عدد الأنشطة الابتكارية، بل بناء قدرة وطنية تنتج شركات معرفية، وتطور المهارات البشرية، وتخلق وظائف جديدة مرتبطة بالاقتصاد المستقبلي.
كما تحتاج الجامعات إلى تطوير علاقتها مع القطاع الخاص، بحيث تتحول الشراكات إلى مشاريع مشتركة تستهدف تطوير تقنيات وحلول في المجالات ذات الأولوية الوطنية، مثل الصحة، والطاقة، والصناعة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحيوية.
ويمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز هذه المنظومة؛ فهو يساعد على تحليل الاتجاهات العلمية، واكتشاف الفرص البحثية، وتسريع التطوير، وربط المعرفة بالتحديات الواقعية. إلا أن التقنية تحقق أثرها عندما تعمل داخل بيئة مؤسسية قادرة على تحويل الأفكار إلى تطبيقات، والبحوث إلى منتجات، والمواهب إلى شركات.
إن تحول الجامعات إلى منصات وطنية للابتكار يمثل انتقالًا في دورها من مؤسسة تنتج المعرفة إلى مؤسسة تبني القدرات وتشارك في تشكيل الاقتصاد المعرفي.
فهي البيئة التي تجمع بين تنمية المواهب، ودعم الباحثين، وتأسيس الشركات، وتطوير الحلول التي تخدم المجتمع والوطن.
وعندما تنجح الجامعات في بناء هذه المنظومة، تتحول أفكار الطلاب والباحثين إلى مشاريع، والمشاريع إلى شركات، والشركات إلى وظائف وقيمة وطنية مستدامة.
فالجامعة التي تقود المرحلة القادمة هي التي تجعل الابتكار قدرة مؤسسية مستمرة؛ حيث تتحول المعرفة إلى فرص، والأفكار إلى شركات، والقدرات البشرية إلى قوة اقتصادية وطنية.