د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
في تراثنا الأخلاقي تتجلّى قيمٌ لا تبلى، وتبقى صالحة لكل زمان، ومنها ما نُسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:
«لما عفوتُ ولم أحقد على أحدٍ
أرحتُ نفسي من همّ العداواتِ».
هذه الأبيات ليست مجرد حكمة شعرية، بل هي رؤيةٌ تربوية واجتماعية عميقة، تُعيد الإنسان إلى أصل العلاقة بينه وبين نفسه قبل علاقته بالآخرين؛ فالعفو ليس تنازلًا، بل تحريرٌ للنفس من أثقال الغضب، ورفعٌ عنها همّ العداوات، وإعادةٌ لصفائها الذي يكدّره الحقد ويُطفئ نوره.
وتضيف الأبيات:
«أحيي عدوي عند رؤيته
لأدفع الشر عني بالتحياتِ».
وهذا ليس ضعفًا، بل سياسةٌ أخلاقية راشدة، تُدرك أن التحية تُطفئ شرارة الغضب، وأن اللطف يقطع الطريق على الشيطان، وأن الإنسان حين يختار الإحسان، فإنه يختار راحة نفسه قبل راحة غيره. فالعفو -بهذا المعنى- ليس مجاملة اجتماعية، بل هو تهذيبٌ للنفس، ومحاسبةٌ لها، وتربيةٌ على أن تُطفئ الشر قبل أن يشتعل.
وهذا المعنى يلتقي مع الهدي القرآني في قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. فالآية تجمع بين كظم الغيظ والعفو والإحسان، وتربطها بمحبة الله، لتؤكد أن العفو ليس خيارًا اجتماعيًا فحسب، بل هو عبادةٌ تُقرّب العبد من ربه، وتُظهر جمال النفس حين تختار الصفح على القدرة، واللين على الشدة، والرحمة على الانتقام.
وفي هذا السياق، يبرز الدور العظيم الذي يقوم به ولاة الأمر والأمراء والوجهاء في مجتمعنا، حين يسعون في الشفاعات لطلب العفو عن القصاص، في قضايا تهزّ البيوت، وتُشعل الغضب، وتكاد تُفسد العلاقات بين القبائل والعائلات. هؤلاء الساعون في الإصلاح يُحيون قيمة قرآنية عظيمة، ويُطفئون نارًا لو تُركت لأحرقت القريب والبعيد، ويحقنون دماءً معصومة، ويعيدون للمجتمع توازنه، ويُظهرون أن العفو ليس ضعفًا، بل هو قوةٌ أخلاقية وسياسية واجتماعية.
ولعل من أبرز الشواهد المعاصرة على هذا الدور ما دأب عليه سيدي صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود، أمير منطقة القصيم ورئيس لجنة إصلاح ذات البين (عفو)، من سعي متكرر ومثمر لدى أولياء الدم لنيل العفو عن القصاص، وكذلك ما شهدته إمارة منطقة عسير في عهد سيدي صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال من مجالس للصلح تُوجت بعفو أهالي الضحايا عن الجناة، مواطنين ومقيمين على حد سواء، تجسيدًا حيًّا لقوله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}، وشاهدًا على أن هذا النهج ليس استثناءً عابرًا، بل ممارسة مؤسسية راسخة تتكرر في مناطق المملكة المختلفة وغيرهم كثير لا يتسع المجال لذكرهم.
إن دور ولاة الأمر حفظهم الله وعلى رأسهم سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسيدي ولي العهد الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله تعالى، في هذا الباب ليس دورًا إداريًا فحسب، بل هو دورٌ رسالي، يُجسّد المعنى القرآني في الإصلاح بين الناس، ويُعيد إلى المجتمع ثقته بأن الدولة ليست جهة تنفيذٍ فقط، بل جهة إصلاحٍ ورحمة، وأن القيادة حين تسعى للعفو، فإنها تُحيي في الناس أجمل ما فيهم، وتُذكّرهم بأن الدماء لا تُحقن بالقوة وحدها، بل تُحقن بالحكمة، وبالشفاعة، وبالعفو، وبالإحسان.
وهنا تتجلّى قيمة محاسبة النفس، تلك القيمة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ». فالعفو يبدأ من الداخل؛ يبدأ حين يُراجع الإنسان نفسه ويُخضعها للحساب، ويسألها: هل أريد الانتقام أم أريد الإصلاح؟ هل أبحث عن الغلبة أم عن السكينة؟ هل أريد أن أُطفئ نارًا أم أُشعل أخرى؟ وحين تُحاسب النفس ذاتها، يختار الإنسان العفو، لأنه يرى أثره في قلبه قبل أن يراه في المجتمع.
إن الأبيات المنسوبة للشافعي، والآيات القرآنية، والمواقف الإصلاحية لولاة الأمر، كلها تصنع رسالة واحدة: أن العفو ليس حدثًا فرديًا، بل هو مشروعٌ مجتمعي، وأن الإحسان ليس تفضّلًا، بل هو بناء، وأن الإصلاح ليس مهمةً عابرة، بل هو واجبٌ شرعي ووطني، وأن المجتمع الذي يُحيي العفو هو مجتمعٌ يُحيي الرحمة، ويُطفئ الفتنة، ويُعيد للقلوب صفاءها.
وهكذا، يصبح العفو قيمةً تُمارَس، لا شعارًا يُرفع، ويصبح دور ولاة الأمر في الشفاعات امتدادًا لمعاني القرآن والسنة، ويصبح المجتمع شريكًا في صناعة السكينة، ويصبح المقال دعوةً إلى أن نُحاسب أنفسنا قبل أن تُحاسَب، وأن نختار الإحسان قبل أن نختار الغضب، وأن نُحيي الجميل في نفوسنا قبل أن نطلبه من غيرنا.