فائز بن سلمان الحمدي
ما أكثرَ ما يُخيَّل إلى المرء أن خصومه هم الذين يُثقِلون أيامه، وما أقلَّ ما يفطن إلى أن أثقلَ خصومه إنما يبيت بين جنبيه؛ فإن العداوة إذا كانت حادثةً بين اثنين، فلها أجلٌ تنتهي إليه، وأما إذا استحالت مقامًا في القلب، فقد خرجت من سلطان الزمان إلى سلطان الطبع، وما استقرَّ في الطبع استعصى على الزوال. ولئن كان للناس أن يُؤذوك ساعةً، فليس لهم أن يُقيموا في صدرك دهرًا، إلا إذا آثرتَ أن تحمل عنهم ما كان ينبغي أن تدعه وراء ظهرك.
وما الضغينة إلا عبوديةٌ خفيةٌ يتوهَّم صاحبها أنه استمسك بها ليقهر غيره، فإذا هو مقهورٌ بها، مُسْتَذَلٌّ لسلطانها؛ إذ لا يزال يُردِّد في ضميره كلماتٍ قد نسيها قائلها، ويبعث من ذاكرته وجوهًا قد طواها الزمان، ويُحيي من الخصومات ما أماتته الأيام، فكأنما جعل قلبه قبرًا، ثم أبى إلا أن يُقيم فيه مع الأموات، يُحدِّثهم ويُحدِّثونه، ويُجدد معهم ما انقضى، حتى يصير الماضي عنده حاضرًا لا يغيب، والحاضرُ غريبًا لا يحضر.
إن الله لم يخلق الفؤاد ليكون مستودعًا لأدران البشر، وإنما جعله مهبطًا لأنواره، ومجلىً لسكينته، ومسرحًا تتجلى فيه معاني الإيمان. فإذا ازدحم بالأحقاد ضاق عن الحكمة، وإذا اكتظَّ بالإحن انحسر عنه نور البصيرة؛ فإن القلب لا يجتمع فيه نورٌ وظلمة، كما لا يجتمع الليل والنهار في أفقٍ واحد. وكلُّ ضغينةٍ تُقيمها فيه، فإنما تُقصي بها معنى من معاني الرحمة، وتُطفئ بها قبسًا من قبسات اليقين.
واعلم أن الناس لم يُخلقوا على وفاقٍ دائم، وإنما جُبلوا على اختلافٍ هو من تمام الحكمة، لا من نقصانها؛ إذ لو استوت العقول لبطلت فضيلةُ الاجتهاد، ولو تماثلت الطبائع لانقطعت أسبابُ الاحتمال، ولو انتفى التفاوت لما عُرف الحليم من الطائش، ولا الكريم من اللئيم، ولا العافي من المنتقم. وإنما تُعرف معادن النفوس عند احتكاكها، كما تُعرف الجواهر إذا مستها المحكَّات. ولقد رأيتُ أقوامًا استحالوا إلى دواوين للخصومات؛ لا تمرُّ بهم هفوةٌ إلا قيَّدوها، ولا زلةٌ إلا استقصَوها، ولا كلمةٌ إلا أقاموا لها في صدورهم مأتمًا لا ينقضي. يعيش أحدهم في محاكمةٍ لا تنفض، يُخاصم فيها الذاكرة، ويُلاحي الزمان، ويستأنف كلَّ يومٍ دعوى قضى عليها الأمس، فهو يحسب أنه يُحاسب الناس، وما درى أن عمره هو الذي يُقتطع في كل ساعةٍ ثمنًا لهذه الخصومة الطويلة، وهل رأيتَ أشقى ممن يجعل قلبه رهينةً عند من أبغض؟ إن خصمك قد يضحك، وقد يهنأ بمنامه، وقد يُصبح وقد نسي ما كان منه، وأنت لا تزال تُوقِد نارًا لا تحرق إلا صدرك، وتُسقي نفسك من كأسٍ مريرةٍ لا يذوقها سواك. فأيُّ الفريقين أحقُّ بالرثاء؟ أذلك الذي أساء ثم مضى، أم هذا الذي آثر أن يحمل إساءته على ظهر روحه، يُقاسي منها في كل حين؟
وما العفو خُلُقًا يُؤثره الضعفاء كما يظن الغافلون، وإنما هو سيادةُ النفس على نوازعها، وغلبةُ العقل لشهوات الغضب، وارتفاعُ الروح عن أوحال التشفي. فإن الانتقام يُشبه صاحبه بخصمه، وأما الصفح فيُشبهه بنفسه التي أرادها الله له؛ حرةً من رقِّ الهوى، عزيزةً عن ذلِّ الضغينة، ساميةً عن أن تُدير حياتها على إساءةٍ عابرة، فطهِّر سريرتك كما يُطهَّر المحراب قبل الصلاة، فإن القلب هو محراب العبد، وأول ما يُنظر إليه من أمره. ولا تُدخل إليه كلَّ عابرٍ بكلمة، ولا تُسلِّمه لكل من مرَّ بأذًى؛ فإن الناس عابرون، والقلب باقٍ معك إلى أن تلقى الله، فما أجهل من صان داره من الغبار، ثم ترك قلبه نهبًا لأقذار الضغائن، ثم اذكر، كلما ثارت في نفسك بواعث المؤاخذة، أن هذه الدنيا أقصر من أن تُستنفد في استرجاع الإساءات، وأضيق من أن تُحمَّل ما لا تحتمل من أثقال العداوات، وأنك غدًا واقفٌ بين يدي الله، لا يسألك عن عدد من أساؤوا إليك، ولكن يسألك بأيِّ قلبٍ أقبلتَ عليه؛ أقلبٍ أشرق بذكره، أم قلبٍ أظلم بذكر خلقه؟ فلا تجعل فؤادك موطنًا لمعارك الفناء، ولا تُؤجِّره لخصوماتٍ تنقضي ويبقى أثرها فيك. واجعله موضعًا يليق بنظر الله، فإن القلوب إذا عمرت بعظمته ضاقت عن الأحقاد، وإذا امتلأت بمحبته تضاءلت فيها إساءات الخلق، وإذا سمت إلى ربها، رأت الناس بعين الرحمة لا بعين المؤاخذة، ومضت في هذه الدنيا خفيفةَ الروح، نقيةَ السريرة، حتى تلقى الله بقلبٍ سليم، لا يُخاصم إلا هواه، ولا ينتصر إلا على نفسه، ولا يرجو إلا وجه مولاه.