د. أبوبكر إبراهيم محجوب
يمكن لمدينة كبرى أن تستعيد ملايين الساعات من حياة سكانها دون أن تعدّل توقيتها الرسمي، وأن تخفف الاختناقات في شوارعها دون أن تضع حجر أساس لجسر جديد. يحدث ذلك عندما تتوقف آلاف التنقلات اليومية قبل أن تبدأ؛ لأن الخدمة التي كانت تفرض على الإنسان قطع المسافات، وهدر الوقود، واقتطاع جزء من يومه لمتابعتها، باتت تصل إليه حيث يكون.
هذا الأثر يصعب توثيقه بالملاحظة البصرية العابرة؛ فالناس يشاهدون المركبات التي تعبر الطرقات، لكنهم لا يرون الحركة التي اختفت لأن الحاجة إليها انتفت من الأساس. عندما ينجز الموظف إجراءً رسمياً من مكتبه، أو يتابع المستثمر تراخيص منشأته وهو يحتسي قهوته في منزله، تنجو المدينة من رحلة إضافية كان يمكن تفاديها. ومع اتساع نطاق هذه المعاملات، يصبح تصميم الخدمة الإدارية جزءاً لا يتجزأ من كفاءة المدينة نفسها.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الإنجاز الذي حققته المملكة العربية السعودية للمرة الرابعة على التوالي، بتصدرها مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2025، الصادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا» التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.
فقد سجلت الأرقام الرسمية نسبة نضج إجمالية بلغت 99 %، مع تحقيق العلامة الكاملة بنسبة 100 % في مؤشري «توافر الخدمة وتطورها» و»الوصول إلى الجمهور»، إلى جانب نسبة 99 % في مؤشر «استخدام الخدمة ورضا المستخدمين»، ضمن تقييم شمل 100 خدمة حكومية ذات أولوية مقدمة للأفراد وقطاع الأعمال في 17 دولة.
هذه الأرقام العالية تصف مستوى مرتفعاً من النضج المؤسسي، لكنها لا تخبرنا وحدها بما تغير فعلياً في حياة الناس؛ فالمؤشر يقيس نضج الخدمات المقدمة عبر البوابات والتطبيقات، ولا يقيس عدد الرحلات التي لم تقع، أو ساعات العمل التي لم تُهدر. تلك آثار أخرى عميقة، تبدأ من الشاشة ثم تمتد لتلامس تفاصيل الحياة اليومية.
الرقمنة التي تكتفي بنقل نموذج ورقي إلى منصة إلكترونية لا تغير شيئاً في جوهر التجربة؛ إذ يظل المستفيد يملأ الحقول نفسها، ويُطالَب بالمرفقات ذاتها، ويمر بالخطوات الإدارية نفسها، ولكن عبر شاشة.
أما الخدمة الناضجة فتنطلق من تفكيك «رحلة المستفيد» كاملة: ما الخطوة التي يمكن حذفها؟ وما المعلومة الموجودة أصلاً لدى جهة حكومية أخرى؟ وما الإجراء الذي يمكن تنفيذه تلقائياً؟ وأين يتعطل المستفيد؟ وكم مرة يضطر إلى العودة أو الاستفسار أو إعادة تقديم البيانات؟
حين تتكامل الجهات الحكومية وتتخلص من البيروقراطية المكررة، تتحسن كفاءة الخدمة قبل أن تتحسن واجهتها. ويظهر أثر ذلك بوضوح في قطاعات تمس حياة الجميع. فعلى سبيل المثال:
ففي القطاع الصحي، تجاوزت منصات مثل «صحتي» حدود حجز المواعيد التقليدي إلى الاستشارات والتطبيب عن بُعد، مما ساعد على تقليل المراجعات الروتينية في المرافق الصحية، وإتاحة قدر أكبر من الوقت والموارد للحالات التي تحتاج إلى حضور مباشر وعناية عاجلة.
وفي التعليم، أسهمت أتمتة الأنظمة والإجراءات في تخفيف جانب من الأعباء الإدارية والورقية عن المعلمين والإدارات التعليمية، بما يتيح توجيه قدر أكبر من الوقت نحو العملية التعليمية والتفاعل مع الطلاب.
وفي قطاع العدل، أصبح بإمكان المستفيد متابعة الإجراءات القضائية، وتقديم الطلبات، وحضور عدد من الجلسات عن بُعد، دون الحاجة إلى التنقل المتكرر بين أروقة المحاكم.
أما في قطاع الأعمال، فتجد المنشآت، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، أثراً مباشراً في تكاليفها واستقرارها. فتسريع الإجراءات يقلل كلفة الامتثال، ويدعم استمرارية الأعمال، ويجعل الانتقال من قرار الاستثمار إلى بدء النشاط أكثر سلاسة، في تعبير عملي عن احترام وقت المستثمر.
حين تتكرر الدقائق والساعات المستعادة على مستوى ملايين العمليات، تتحول إلى رأس مال اجتماعي واقتصادي ضخم، يترك للإنسان حرية استثماره في العمل أو التعلم أو الراحة أو أسرته.
ويمتد الأثر إلى شوارع المدن؛ فكل معاملة تُنجز عن بُعد قد تعني مركبة أقل في ساعة الذروة، واستهلاكاً أقل للوقود، وتخفيفاً للانبعاثات البيئية. مصمم الخدمة الرقمية هنا يعمل في مسار موازٍ لمهندس الطرق؛ أحدهما يعالج الحركة، والآخر يزيل أسبابها من الأساس.
ورغم أن المصادر الرسمية لا تقدم حصيلة دقيقة لعدد الرحلات التي جرى الاستغناء عنها نتيجة رقمنة الخدمات، فإن تقليل التنقلات غير الضرورية يظل رافداً مهماً إلى جانب النقل العام والتخطيط الحضري في تخفيف الازدحام، وخفض استهلاك الوقود، وتحسين جودة الحياة في المدن.
ويبرز الأثر الإنساني الأعمق للخدمات الرقمية بوضوح في تعزيز الشمول وتكافؤ الفرص. فالمشوار الذي يبدو سهلاً لشاب قد يكون عبئاً شاقاً على كبير في السن، أو شخص من ذوي الإعاقة، أو أحد سكان المحافظات والمناطق البعيدة.
وصول الخدمة إلى المستفيد رقمياً بقدر أكبر من الاستقلالية يخفف الفجوات الجغرافية، ويوسع فرص الوصول، ويمنح الإنسان قدراً أكبر من الاستقلالية والخصوصية والكرامة.
وفي المقابل، لا تعني هذه الكثافة الرقمية إغلاق الأبواب أمام أحد، بل تتيح للمؤسسات إعادة توجيه طواقمها البشرية للتعامل مع الحالات الاستثنائية والمعقدة التي تتطلب روحاً إنسانية وتدخلاً مباشراً لا تقدمه المنصات الرقمية.
كما يستفيد الموظف الحكومي نفسه من هذا التحول؛ فحين تتولى الأنظمة معالجة المدخلات الروتينية، يتاح له وقت أوسع للحالات التي تحتاج إلى تقدير وتواصل إنساني حقيقي وعمق استراتيجي، وهو ما يمنح الإدارة العامة فرصة أفضل للتعلم المستمر وتحسين السياسات والخدمات استناداً إلى بيانات موثوقة، بدلاً من استنزاف طاقتها في تكرار الإجراءات ذاتها.
وبعد بلوغ هذا المستوى المرتفع من توافر الخدمات والوصول إليها، تبرز مرحلة أعمق من النضج؛ وهي أن تعمل الخدمات باعتبارها منظومة مترابطة، لا مجموعة منصات منفصلة. فالإنسان يمر بأحداث متسلسلة في حياته؛ يُرزق بمولود، ويلتحق أبناؤه بالتعليم، ويؤسس نشاطاً، وينتقل من مدينة إلى أخرى. وكل واحد من هذه الأحداث يبدو له حدثاً واحداً، حتى وإن ارتبط بعدد من الجهات والخدمات والمتطلبات.
الخدمة الناضجة تراعي هذا الترابط من خلال خدمات مبنية حول أحداث الحياة، تبدأ من حيث انتهت الخدمة السابقة، وتقدم للمستفيد ما يحتاجه في الوقت المناسب، وتنبهه إلى حقوقه والتزاماته، وتختصر عليه البحث وتكرار البيانات.
وفي هذا السياق، تمثل «الخدمات الاستباقية» خطوة مهمة في مستقبل الحكومة الرقمية؛ إذ يمكن للمنظومة، بعد موافقة المستفيد وضمن أطر واضحة لحماية البيانات، أن تتوقع احتياجاته، وتجهز بعض خدماته، وترسل له الإشعارات المناسبة، بدلاً من أن يبدأ هو رحلة البحث في كل مرة.
هذا الإنجاز الكبير لا يمثل نهاية مسار، لأن الرقمنة رحلة وليست خطة تُنفذ مرة واحدة ثم تُغلق ملفاتها. احتياجات الناس تتغير، والتقنيات تتطور، وتوقعات المستفيدين ترتفع مع كل تجربة ناجحة يعيشونها داخل القطاع الحكومي أو خارجه.
فالخدمة التي تُعتبر متقدمة اليوم قد تحتاج بعد سنوات قليلة إلى إعادة تصميم كاملة. وما كان مقبولاً من حيث السرعة أو عدد الخطوات قد يصبح عبئاً حين تتوافر تقنيات أكثر قدرة على الاختصار والتخصيص والتنبؤ بالاحتياجات.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تركز بصورة أكبر على قياس الأثر الحقيقي للخدمة، إلى جانب قياس توافرها واستخدامها. كم دقيقة وفرت للمستفيد؟ كم خطوة أزيلت من الرحلة؟ كم طلباً أُنجز من المرة الأولى؟ كم شكوى تكررت؟ وما الفئات التي ما زالت تواجه صعوبة في الوصول؟
هذه الأسئلة تنقل التقييم من عدد الخدمات الرقمية إلى مقدار القيمة التي صنعتها في حياة الإنسان.
كما يتيح تطور الذكاء الاصطناعي فرصاً واسعة لتحسين الخدمات، من خلال فهم الطلبات، وتوجيه المستفيد، وتوقع الضغط على القنوات، واكتشاف مواطن التعثر، وتخصيص التجربة وفق احتياج كل فئة. وينبغي أن يتم ذلك ضمن حوكمة واضحة تضمن العدالة، وتحمي الخصوصية، وتبقي القرار البشري حاضراً في الحالات الحساسة.
ويمكن أيضاً تطوير قنوات المشاركة والتغذية الراجعة، بحيث لا يقتصر دور المستفيد على تقييم الخدمة بعد انتهائها، وإنما يشارك في إعادة تصميمها وتحديد أولويات تطويرها. فبعض أفضل التحسينات تبدأ من ملاحظة صغيرة يكررها آلاف المستخدمين، أو من خطوة اعتاد الجميع تحملها حتى ظُن أنها جزء طبيعي من الإجراء.
وتظل هناك فرصة مستمرة لتوسيع التكامل بين الجهات، وتطبيق مبدأ طلب البيانات مرة واحدة، وتوحيد التجارب عبر المنصات، وتحسين الوصول لكبار السن وذوي الإعاقة، وتطوير الدعم الرقمي باللغة والأسلوب اللذين يناسبان مختلف فئات المجتمع.
إن الحفاظ على الصدارة أصعب من الوصول إليها؛ لأنه يتطلب مراجعة دائمة، واستعداداً لتغيير الخدمات الناجحة قبل أن تتقادم، وجرأة على حذف الإجراءات التي فقدت ضرورتها، حتى إن كانت قائمة منذ سنوات.
وسيبقى للطرق والجسور والنقل العام دور مهم في جودة الحياة، وستستمر الحاجة إلى المراكز والموظفين في مواضع كثيرة. وإلى جوار هذه البنى الظاهرة، نشأت بنية خدمية تؤثر في المدينة قبل أن تبدأ الرحلة، وفي الاقتصاد قبل أن يبدأ الانتظار، وفي حياة الإنسان قبل أن يضطر إلى إعادة ترتيب يومه.
وعندما نبحث عن المعنى الأعمق لنضج الخدمات الحكومية، سنجده غالباً في أشياء لم يضطر الإنسان إلى فعلها: معلومة لم يكررها، ومستند لم يحمله بين جهتين، وخطوة أزيلت من طريقه، ورحلة لم تبدأ، ووقت بقي له.
هناك، في ذلك الجزء الذي عاد إلى الإنسان من يومه، تظهر قيمة لا تستطيع شاشة المؤشر أن تعرضها كاملة. فالخدمة الناضجة تنجز المصلحة العامة بكفاءة، ثم تنسحب بهدوء لتترك للإنسان وقته، وللمدينة حركتها، وللاقتصاد طاقته.
وتصدر المملكة هذا المؤشر للمرة الرابعة على التوالي إنجاز وطني يستحق الاحتفاء؛ لأنه ثمرة سنوات من العمل المؤسسي، والتكامل الحكومي، والاستثمار في التقنية والإنسان، وإعادة التفكير في الطريقة التي تصل بها الدولة إلى مواطنيها ومقيميها وقطاع أعمالها.
وهو في الوقت نفسه مسؤولية جديدة تفتح الباب لطموح أكبر: خدمات أكثر استباقية، وتجارب أكثر إنسانية، ومدن أكثر كفاءة، وإدارة عامة تتعلم وتتطور مع كل تفاعل.
هنيئاً للمملكة هذا الإنجاز، وهنيئاً لكل من أسهم في بنائه، من قيادات ومختصين وموظفين عملوا خلف المنصات والأنظمة والتكاملات. والأجمل من الوصول إلى القمة أن تبقى الرحلة مفتوحة نحو خدمة حكومية تحفظ للإنسان وقته، وتصون كرامته، وتواكب طموح وطن يتقدم بثقة نحو المستقبل.