المهدي هندي
في غضون أيام قليلة، تصدّر خبران المشهد الليبي. الأول إعلان الولايات المتحدة المضي في إعادة تنشيط حضورها الدبلوماسي في ليبيا، بعد سنوات من العمل المحدود من خارج البلاد. والثاني تداول أنباء عن قرب افتتاح قنصلية صينية في بنغازي، قبل أن تسارع السفارة الصينية إلى نفيها، مؤكدة أن ما نُشر لا يعكس موقف بكين الرسمي.
قد يبدو الربط بين الخبرين متعسفًا للوهلة الأولى، غير أن السياسة الدولية لا تُقرأ من خلال كل حدث على حدة، بل من خلال اتجاه الحركة الذي ترسمه الوقائع مجتمعة. فحين تتزايد الاتصالات الدبلوماسية، وتتكثف الزيارات الرسمية، وتُعاد مناقشة التمثيل القنصلي والدبلوماسي، يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه الخطوات ستُنفذ، بل لماذا تستعيد ليبيا مكانتها في حسابات القوى الكبرى الآن؟
من الواضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى ليبيا بوصفها أكثر من مجرد ساحة نزاع داخلي. فالموقع الجغرافي المطل على المتوسط، وقربها من أوروبا، وتداخل ملفات الهجرة والطاقة والأمن الإقليمي، كلها عوامل تجعل استمرار حالة الفراغ السياسي مصدر قلق يتجاوز الحدود الليبية. لذلك تبدو إعادة تنشيط الحضور الدبلوماسي الأميركي جزءًا من محاولة أوسع لإعادة الانخراط في ملفات شمال أفريقيا، في لحظة تشهد تغيرات متسارعة في توازنات الإقليم.
أما الصين، فتتحرك وفق مقاربة مختلفة. فمنذ اندلاع أحداث عام 2011 خسرت الشركات الصينية استثمارات ومشروعات ضخمة في ليبيا، ولم تُخفِ بكين اهتمامها بالعودة إلى السوق الليبية عندما تسمح الظروف بذلك. صحيح أن السفارة الصينية نفت رسميًا الأنباء المتعلقة بافتتاح قنصلية في بنغازي، لكن هذا النفي لا ينفي اتساع الاهتمام الصيني بليبيا، سواء من خلال الزيارات الرسمية أو الاتصالات الاقتصادية أو البحث عن فرص مستقبلية في إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة.
ولعل اللافت أن الحضور الصيني لا يقتصر على البعد الدبلوماسي. فقد جاءت زيارة محافظ مصرف ليبيا المركزي إلى بكين، وما رافقها من مباحثات حول تعزيز التعاون المالي وتسهيل التسويات التجارية، لتشير إلى أن بكين تنظر إلى ليبيا أيضًا بوصفها شريكًا اقتصاديًا محتملاً، لا مجرد ساحة نفوذ سياسي. وفي المقابل، تبدو الأولويات الغربية أكثر ارتباطًا باستقرار أسواق الطاقة، وأمن المتوسط، والحفاظ على التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
لكن قراءة هذه التحركات باعتبارها بداية مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة والصين داخل ليبيا قد تكون قراءة متسرعة. فلكل من الدولتين أولويات مختلفة، كما أن الحضور الدولي في ليبيا لا يزال محكومًا بعوامل داخلية معقدة، في مقدمتها استمرار الانقسام السياسي، وتعثر المسار الانتخابي، وهشاشة البيئة الأمنية.
وربما تكمن الدلالة الأهم لهذه التطورات في أنها تعكس تحولًا في النظرة إلى ليبيا نفسها. فبعد سنوات كانت البلاد تُقدَّم باعتبارها ملفًا أمنيًا أو إنسانيًا، تعود اليوم لتُطرح أيضًا باعتبارها دولة تمتلك موارد طاقة ضخمة، وسوقًا واعدة لإعادة الإعمار، وموقعًا جغرافيًا يصعب تجاوزه في أي معادلة تخص المتوسط وأفريقيا.
غير أن هذا الاهتمام الدولي، مهما اتسع، لن يتحول تلقائيًا إلى مكسب لليبيين. فالتجربة أثبتت أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، لا وفق احتياجات الدول التي تنخرط فيها. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذه العودة الدبلوماسية لن تُقاس بعدد السفارات أو القنصليات التي تُفتتح، وإنما بقدرة الدولة الليبية على امتلاك رؤية وطنية توظف هذا الاهتمام لخدمة أولوياتها الاقتصادية والسياسية، بدل أن تبقى مجرد ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.
** **
- صحفي وباحث سياسي ليبي