د. أماني بنت خلف الغامدي
إن المعركة الحقيقية التي تخوضها أمتنا اليوم ليست معركة حدود، بل هي معركة وجود يُرسم في فضاء الوعي. إننا نقف أمام طوفانٍ جارف من «التفاهة الرقمية» الممنهجة، وسيلٍ عارم من الملهيات البصرية والسمعية التي تنصب شباكها بدقة لسرقة أثمن ما تملكه أجيالنا: الوقت والتركيز. فلقد تحولت الشاشات الصغيرة في أيدي أبنائنا إلى ثقوب سوداء تمتص أعمارهم، وتستلب عقولهم الغضة، لتقدم لهم وهماً مخادعاً من المعرفة السطحية، والرفاهية المزيّفة، والنمذجة المشوهة للإنسان المستهلك. وليس أقرب من القرار الفرنسي الصارم بمنع من هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول الى وسائل التواصل الاجتماعي وقد سبقتهم لذلك دول أوروبية عدة.
وآن الأوان أن نسعى بحرص كبير على إقرار قوانين صارمة لمنع وصول الأبناء الى مواقع التواصل بشكل ميسر وغير مقنن كما هو الواقع اليوم. وان من المهم بمكان اليوم استرداد العقول المستلبة أمام هذا المشهد المتسارع، فلم يعد التعليم ترفاً أو مجرد تلقين للمعلومات، بل غدا «مجاهدة تربوية» كبرى، تتطلب منا وقفة حازمة لاسترداد هذه العقول المختطفة من بين براثن التسطيح وعوالم الافتراض؛ إنها دعوة لانتشال الجيل الجديد من تيه «اللاوعي» وإعادته إلى جادة الجدية والمسؤولية. ومن أهم مايمكن أن نقوم به هو نزع ثقافة الاتكال وأن نعلّم أبناءنا أن الحياة لا تُبنى بالنقرات السريعة، بل بالجهد الدؤوب والصبر على مكاره التعلم. وعلينا إحياء روح المسؤولية وأن يدرك كل شاب وفتاة أنهم ليسوا مجرد أرقام في طابور المستهلكين، بل هم لبنات أساسية في جدار النهضة.
إن الاستثمار الحقيقي ليس إلا في «الإنسان»؛ فالعقل المحصن بالوعي هو الثروة التي لا تبيد، والقلب العامر بالمسؤولية هو الحصن الذي لا يُخترق. لذا فإن جلال الاستخلاف وعملة المستقبل يبدأ بخطوات وإن الخطوة الأولى في هذا الطريق تبدأ بإعادة تعريف مكانة الإنسان في هذا الكون؛ فيجب أن نزرع في نفوس الناشئة «جلال الاستخلاف». إنهم خلفاء الله في أرضه، ولم يُخلقوا للعبث أو اللهاث خلف صرعات تافهة تزول بزوال شاشاتها، بل استُخلفوا لعمارة الأرض بالخير، والإتقان، والجمال. وفي هذا العصر المتلاطم، يجب أن يعي الجميع قانوناً كونياً صارماً: المستقبل لا يرحم الضعفاء، ولن يفتح بواباته الموصدة بل لمن تآخت في روحه قوتان لا تفترقان: قوة اليقين: التي تمنح الجيل الهوية الراسخة، والبوصلة الأخلاقية، والروح المتصلة بالخالق، فتحميه من الانجراف وراء موجات التغريب والضياع الفكري. ومن ثم الاستناد على قوة العلم التي دعى لها ديننا العظيم: أطلبوا العلم من المهد الى اللحد فهي التي تمده بأدوات العصر، وتمنحه السيادة المعرفية والتقنية، ليكون صانعاً للحضارة لا مجرد مستهلك لها ولسلبياتها.
ولعل النداء الأخير الذي سيغير الحال بأن نتحرك عاجلا لسن قانون يمنع الوصول غير المقنن لوسائل التواصل المختلفة التي باتت تؤرق الوالدين والمربين ونعلن بأنه قد آن الأوان لساعة اليقظة؛ فإما أن نترك أجيالنا لقمة سائغة لخوارزميات التسلية وعولمة التفاهة، وإما أن نشد على أيديهم لنصنع منهم قادة المستقبل.
دعونا نغلق نوافذ اللهو العبثي، ونفتح نوافذ المختبرات العلمية والمكتبات ومحاريب الفكر. دعونا نعيد للتعليم جلاله، وللكتاب هيبته، وللمعلم مكانته الرفيعة؛ فالمجد غداً لمن يملك «العقل والوعي»، والسيادة لمن غرس في أبنائه قوة العلم الممتزجة بنور اليقين بالخلافة البشرية الواعية والرسالة الإسلامية السامية لإعمار الأرض.