صبحي شبانة
لا يمكن فهم السلوك الحوثي تجاه المملكة العربية السعودية باعتباره مجرد امتداد لحرب أهلية يمنية، أو مجرد رد فعل على تطورات عسكرية متلاحقة، لأن هذا التفسير يظل قاصرًا عن إدراك طبيعة المشروع الذي تتحرك في إطاره الجماعة، والمرجعية الفكرية والسياسية التي تستند إليها، فما نشهده اليوم من تصعيد متكرر، وتهديدات متواصلة، ومحاولات لاستهداف أمن المملكة واستقرارها، يتجاوز حدود الخلاف السياسي، ليعكس ارتباطًا وثيقًا بمشروع إقليمي لا يرى في السعودية دولةً جارة، وإنما يرى فيها العقبة الأكبر أمام تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة.
المؤلم في المشهد أن المملكة لم تكن يومًا خصمًا للشعب اليمني، بل كانت على امتداد العقود الماضية أكبر سند له في أوقات الرخاء والأزمات، فمنذ بدايات النهضة السعودية الحديثة، كانت أبواب المملكة مفتوحة أمام ملايين اليمنيين الذين وجدوا فيها فرص العمل الكريم، وأسهموا في نهضتها الاقتصادية، وفي المقابل عادوا إلى وطنهم حاملين خبراتهم ومدخراتهم، لتستفيد منها أسرهم ومجتمعاتهم المحلية، ولا تكاد توجد أسرة يمنية إلا ولها قريب أو صديق أو ابن عمل في المملكة، أو لا يزال يعمل فيها حتى اليوم. ولم يكن اليمنيون في السعودية غرباء، بل عاشوا في مجتمع احتضنهم، واحترمهم، وتعامل معهم بوصفهم أشقاء تجمعهم روابط الدين واللغة والدم والجغرافيا.
ولهذا يبدو السؤال مشروعًا: لماذا كل هذا العداء الحوثي للمملكة؟ ولماذا تصر الجماعة على تحويل السعودية إلى هدف دائم لخطابها السياسي والعسكري، رغم أن التاريخ المشترك بين الشعبين يقول شيئًا مختلفًا تمامًا؟
الإجابة تبدأ من حقيقة أن الحوثيين لا يتحركون بمنطق الدولة الوطنية، بل بمنطق الجماعة العقائدية المرتبطة بمشروع خارجي، فالجماعة تدرك أن بقاءها مرتبط باستمرار التوتر، وأن السلام الحقيقي سيطرح على اليمنيين سؤالًا بالغ الخطورة: ماذا قدم الحوثيون لليمن سوى الحرب والدمار والعزلة؟، ومن هنا يصبح افتعال الصراع ضرورة سياسية بالنسبة لهم، وليس مجرد خيار عسكري.
لقد دفعت المملكة أثمانًا باهظة دفاعًا عن أمنها الوطني، لكنها في الوقت نفسه كانت الأكثر حرصًا على ألا يتحول الصراع إلى عداء مع الشعب اليمني، وكانت المبادرات السعودية المتكررة لوقف إطلاق النار، ودعم المسار السياسي، والمساعدات الإنسانية، تؤكد أن الرياض كانت تميز دائمًا بين المليشيا وبين الدولة اليمنية، وبين المشروع الإيراني وبين الشعب اليمني الشقيق، وخلال السنوات الماضية، قدمت المملكة مليارات الدولارات في صورة مساعدات إنسانية وتنموية وإغاثية، وأسهمت في تشغيل المستشفيات، ودعم الغذاء، وتمويل البرامج الإنسانية، وإعادة تأهيل العديد من المرافق، في وقت كانت فيه المليشيات تستثمر الموارد في صناعة الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة، فالطرف الذي يطلق الصواريخ على المدن السعودية هو ذاته الذي يدّعي الدفاع عن اليمن، بينما كان الأولى به أن يدافع عن المدارس التي دمرت، والمستشفيات التي انهارت، والاقتصاد الذي أصيب بالشلل، والملايين الذين أصبحوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية.
إن استهداف المملكة لا يخدم اليمن، ولا يعيد بناء دولة، ولا يوفر فرصة عمل لشاب يمني، ولا يفتح مدرسة، ولا يعالج مريضًا، وإنما يطيل أمد الأزمة ويزيد من عزلة اليمن ويعمق معاناة شعبه، وإذا كان الحوثيون يعتقدون أن استهداف السعودية سيمنحهم شرعية داخلية، فإن الواقع يقول إنهم كلما صعّدوا ضد المملكة، ازداد اقتناع اليمنيين بأن الجماعة تقدم أولويات المشروع الإيراني على مصالح اليمن نفسه، فالسعودية بالنسبة لليمن ليست مجرد دولة مجاورة، بل تمثل الثقل العربي والإسلامي الأكبر، وقلب العالمين العربي والإسلامي، وحاضنة الحرمين الشريفين، وصاحبة التأثير السياسي والاقتصادي الواسع، ولذلك فإن استهدافها يخدم أهدافًا تتجاوز حدود اليمن بكثير، ومن هنا يصبح الحوثيون إحدى أدوات هذا الصراع الإقليمي، أكثر من كونهم طرفًا يبحث عن تسوية وطنية داخل اليمن.
لكن ما يغيب عن حسابات هذه المليشيا أن العلاقات بين الشعبين السعودي واليمني ليست علاقة أنظمة سياسية يمكن أن تتغير بتغير الظروف، وإنما هي علاقة تاريخية صنعتها الجغرافيا، ورسختها المصاهرة، وعززتها المصالح المشتركة، وأكدتها عقود طويلة من التعايش والعمل المشترك، فهناك ملايين اليمنيين الذين عاشوا في المملكة سنوات طويلة، وأصبحوا جزءًا من قصة التنمية السعودية، كما أن آلاف الأسر السعودية ترتبط بعلاقات اجتماعية وإنسانية مع اليمنيين، بما يجعل أي محاولة لبث الكراهية بين الشعبين محكومة بالفشل، ولهذا فإن خطاب الحوثيين لا يجد صداه الحقيقي في المجتمع اليمني بقدر ما يجد حضوره داخل البيئة التنظيمية المغلقة التي تصنعها الجماعة عبر التعبئة الأيديولوجية، كما أن المملكة وهي تتعامل مع هذه التهديدات، لم تجعل من الشعب اليمني خصمًا، بل واصلت الفصل بين الشعب وبين من اختطف قراره، وهذه واحدة من أهم نقاط القوة في السياسة السعودية؛ إذ لم تسمح للحرب بأن تفسد العلاقة التاريخية مع اليمنيين، ولم تسمح لخطاب الكراهية بأن يتحول إلى سياسة.
اليوم، وبينما يشهد الإقليم تحولات كبرى، يصبح من الضروري إدراك أن استقرار اليمن ليس مصلحة يمنية فقط، وإنما هو مصلحة عربية وخليجية ودولية، لكن هذا الاستقرار لن يتحقق ما دامت جماعة مسلحة تحتكر قرار الحرب والسلام، وترهن مستقبل اليمن بحسابات خارج حدوده، لقد أثبتت السنوات الماضية أن التنمية لا تزدهر في ظل المليشيات، وأن الاقتصاد لا يقوم في بيئة يغيب عنها الاستقرار، وأن الشعارات الثورية لا تبني أوطانًا، وإنما تبنيها المؤسسات والدولة والقانون، وفي المقابل، قدمت المملكة نموذجًا مختلفًا يقوم على الاستثمار في المستقبل، والتنمية، والانفتاح، وتنويع الاقتصاد، وبناء الإنسان، وهو النموذج الذي جعلها إحدى أكثر دول المنطقة تأثيرًا في معادلات التنمية والاستقرار، وربما لهذا السبب تحديدًا تستهدفها القوى التي تعيش على الفوضى؛ لأن نجاح نموذج التنمية يمثل أكبر هزيمة لمشروعات العنف، ويكشف أن المستقبل يصنعه البناء لا الهدم، والعمل لا الشعارات.
إن أخوة الدم، وجيرة الجغرافيا، ووحدة المصير، والتاريخ المشترك بين الشعبين السعودي واليمني، أعمق بكثير من أن تهزها صواريخ تطلقها مليشيا مارقة مأفونة، أو بيانات تحريضية، أو حملات إعلامية عابرة، فهذه الروابط لم تصنعها السياسة، وإنما صنعتها قرون من التعايش والمصالح المشتركة والوشائج الإنسانية التي لا تستطيع ميليشيا مسلحة، مهما امتلكت من السلاح أو تلقت من الدعم الخارجي، أن تمحوها، قد تستطيع المليشيات أن تشعل حربًا، لكنها لا تستطيع أن تعيد كتابة التاريخ، ولا أن تمحو ذاكرة الشعوب، ولا أن تغير حقيقة أن السعودية كانت، وستبقى، الأقرب إلى اليمن حين تضيق به الأزمات، والأكثر حرصًا على استقراره ووحدة أراضيه وعودة مؤسساته، ويبقى الأمل أن يأتي اليوم الذي يستعيد فيه اليمن قراره الوطني المستقل، بعيدًا عن هيمنة السلاح والولاءات العابرة للحدود، ليعود إلى محيطه العربي شريكًا في التنمية والاستقرار، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
اليمن يستحق دولةً لا مليشيا، ومستقبلًا لا حربًا، وتنميةً لا شعارات، كما تستحق المنطقة أن تنعم بالأمن والسلام بعيدًا عن مشاريع الفوضى التي لم تجلب لشعوبها سوى الخراب، وعندما ينتصر منطق الدولة على منطق الجماعة، سيدرك الجميع أن ما يجمع السعودية واليمن أكبر من كل محاولات التفريق، وأن التاريخ والجغرافيا وروابط الأخوة أقوى من أي مشروع عابر يقوم على السلاح والكراهية.