د. جمال الراوي
يقول الله عز وجل: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الأحقاف: 15].
تشير هذه الآية الكريمة إلى مرحلةٍ مميزةٍ في حياة الإنسان؛ مرحلةٍ يبلغ فيها قدرًا كبيرًا من النضج والخبرة بعد سنواتٍ طويلةٍ من التعلّم والتجربة والاحتكاك بالحياة.
(حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ)، وقد اختلف أهل التفسير في السن التي يبلغ فيها الإنسان أشدَّه، غير أن الآية خصّت الأربعين بالذكر، مما يدل على أنها مرحلة يكتمل فيها النضج، وتترسخ فيها الخبرة، ويتهيأ الإنسان فيها لمراجعة مسيرة حياته مراجعةً أعمق.
فالآيةُ الكريمة لا تجعل الأربعين مجرد رقمٍ يُضاف إلى العمر، بل تبرزها بوصفها محطةً يقف عندها المرء مع نفسه، يراجع ما مضى من أيامه، ويعيد النظر في أولوياته، ويتأمل فيما بقي من طريقه.
فقد كان طفلًا يتعلّم، ثم يافعًا يكتشف العالم من حوله، ثم شابًّا يخوض التجارب، ويُقبل على الحياة بأحلامها وشهواتها وطموحاتها.
يمضي بين نجاحٍ وإخفاق، وربحٍ وخسارة، وصوابٍ وخطأ، حتى إذا تراكمت الأعوام، بدأت – في الغالب – تتشكّل في نفسه رؤيةٌ أعمق للأشياء، وأصبح أكثر قدرةً على التمييز بين ما يبقى وما يزول.
ولعلّ أجمل ما في الآية أنّها لم تتحدّث عن بلوغ الأربعين بوصفه إنجازًا في ذاته، وإنّما بيّنت ما ينبغي أن يُثمره هذا البلوغ.
فلمّا بلغ هذا الإنسان أشدّه وأربعين سنة، لم يقل: ربّ زدني مالًا، أو وسّع لي في الجاه، أو ارفع ذكري بين الناس، بل قال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ)؛ فكأنّ أول ثمار النضج الحقيقي أن يرى الإنسان نِعم الله التي كانت تحيط به وهو غافل عنها.
ففي سن الأربعين، غالبًا ما يذوق الإنسان طعم الأبوة والأمومة بنفسه، ويدرك حجم التضحيات التي قدمها والداه في تربيته.
وحين يبلغ هذه المرحلة، يتضاعف عرفانه بفضل الله ثم بفضل والديه، فيدرك كم تعبا من أجله، وهو ما يغرس في قلبه برًّا أعمق وامتنانًا لا ينقطع.
ولعل بعض الأبناء لا يدركون هذه الحقيقة إلا متأخرين؛ فلا يشعرون بما بذله آباؤهم من جهد وتضحية، وربما أثقلوهم بطلباتهم وهم لا يقدّرون ما تركته السنون في أجسادهم ونفوسهم.
ثم طلب العمل الصالح، فقال: (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)؛ لأن التجارب الطويلة تعلّمه أن قيمة العمر ليست فيما جمعه، بل فيما قدّمه.
ثم تجاوز نفسه إلى ذريته فقال: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)، وكأنه أدرك أن العمر يمضي، وأن أثر الإنسان يمتد فيما يتركه خلفه من أبناء صالحين وعملٍ نافع.
ولعلّ من أبلغ ما في الآية أنها جمعت بين النظر إلى الماضي والنظر إلى المستقبل في آنٍ واحد؛ فقد بدأ صاحبها بشكر النعم التي أنعم الله بها عليه وعلى والديه، فالتفت إلى ما مضى، ثم دعا بإصلاح ذريته، فالتفت إلى ما سيأتي بعده.
وكأن الإنسان عند هذه المرحلة يقف وقفة محاسبة؛ ينظر خلفه فيرى تاريخًا طويلًا من العطاء الإلهي يستوجب الشكر، وينظر أمامه فيرى أثره الذي سيبقى بعد رحيله فيستوجب الإصلاح والدعاء.
ثم ختم ذلك كله بقوله: (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ)؛ وكأن التوبة هي الخلاصة التي ينتهي إليها الوعي بعد رحلةٍ طويلة من العمر.
فكلما ازداد الإنسان بصيرةً بنفسه، ازداد معرفةً بتقصيره، وكلما ازداد معرفةً بربه، ازداد رجوعًا إليه.
لكن المؤلم أن يبلغ بعض الناس هذه المرحلة من أعمارهم، فلا يخرجون منها بشيءٍ من هذه المعاني؛ فلا شكرٌ أعمق، ولا عملٌ أصلح، ولا توبةٌ أصدق، ولا مراجعةٌ للنفس.
تمر عليهم السنون كما تمر على الصخور؛ يتقدم العمر، ولا يتقدم الوعي، وتتراكم التجارب، ولا تزداد الحكمة.
وليست الخسارة الحقيقية أن يشيخ الجسد، بل أن يبقى القلب في غفلته الأولى، وأن تمضي الأعوام دون أن تترك في النفس أثرًا من النضج أو المراجعة أو الرجوع إلى الله.
ولهذا جاءت الآية لتذكّرنا بأن العمر ليس عددًا من السنين نحصيه، بل رحلةٌ ينبغي أن تُثمر شكرًا، وعملًا صالحًا، وإصلاحًا، وتوبة.
فإذا وُجِدت هذه الثمار، فقد بارك الله في العمر وإن كان قصيرًا، وإذا غابت، فقد يطول العمر وصاحبه ما يزال يدور في المكان نفسه.
وفي هذه المرحلة يبدأ الإنسان –غالبًا– بالنظر إلى الزمن بعينٍ مختلفة؛ فبعد أن كان يرى العمر طريقًا طويلًا يمتد أمامه، يبدأ يشعر أن جزءًا كبيرًا من الرحلة قد مضى.
وتتبدّل نظرته إلى الأيام؛ فلا يعود يقيسها بما تمنحه من متعةٍ عاجلة، بل بما تتركه من أثرٍ باقٍ. ويكتشف أن كثيرًا من المعارك التي شغلته كانت صغيرة، وأنّ كثيرًا من الطموحات التي استنزفت قلبه لم تكن تستحق ذلك القدر من التعلّق.
وحينئذٍ تتغيّر الأسئلة التي يسألها لنفسه؛ فبعد أن كان يسأل: ماذا سأكسب؟ يبدأ يسأل: ماذا قدّمت؟ وبعد أن كان منشغلًا بما يأخذه من الحياة، يصبح أكثر انشغالًا بما سيحمله معه منها.
وهنا يبدأ العمر في اكتساب معناه الحقيقي، لا بوصفه عددًا من السنين، بل بوصفه زادًا للقاء الله!!.
وليست العبرة أن يبلغ الإنسان الأربعين، وإنما أن تبلغ الأربعون قلبه، فتوقظه من غفلته، وتقرّبه من ربه، وتجعله أكثر استعدادًا للقاء اليوم الذي لا ينفع فيه إلّا ما قُدِّم من عملٍ صالح.
ولعل الأربعين ليست رقمًا في دفتر العمر بقدر ما هي نداءٌ خفيّ يسمعه القلب؛ يدعوه إلى أن يخفف من أثقال الدنيا التي حملها طويلًا، وأن يلتفت إلى الطريق الذي يسير فيه قبل أن يبلغ نهايته.
فالسعيد من جعل كل سنةٍ تمضي تقرّبه من ربه، وتزيده معرفةً بنفسه، وتكشف له حقيقة الدنيا على ما هي عليه.
لكن المؤلم أن يبلغ بعض الناس هذه المرحلة، فلا توقظهم السنون إلى مراجعة أنفسهم، بل قد يزداد تعلّق بعضهم بالدنيا؛ فتراه يجمع الأموال، لا يعنيه من أين جاءت، ولا بأي وسيلةٍ اكتسبها، وكأن الغاية عنده تبرر كل طريق.
وترى بعضهم، بدل أن توقظ فيه الأيام روح الحكمة والوقار، تستيقظ فيه من جديد نزعة لهو الأطفال؛ فيطارد الملذات، ويتعلّق بسفاسف الأمور، ويتصرّف بطيشٍ لا يليق بما بلغه من عمرٍ وتجربة.
وليس المقصود أن يفقد الإنسان روحه المرحة أو قدرته على الفرح، فذلك مما يجمّل الحياة، وإنما المذموم أن يكبر الجسد، وتبقى النفس أسيرة نزوات الصبا، لا تضبطها حكمة، ولا يردعها حياء، ولا تهذبها السنون.
وترى بعضهم، وقد شاب رأسه، لا يزال يكرّر الأخطاء نفسها التي كان يقع فيها في مقتبل عمره، كأن السنين مرّت على جسده، ولم تمرّ على عقله.
وما أجمل أن يختم الإنسان رحلة نضجه بالكلمة نفسها التي ختم الله بها هذه الآية:
(إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
ففي نهاية الرحلة، وبعد طول المسير، يدرك الإنسان أنَّه لا ينفعه إلا عمله؛ فهو سيغادر هذه الدنيا تاركًا ماله، وجاهه، ومنصبه، وكلَّ ما كان يتنافس عليه الناس، ولن يبقى منه إلا أثرٌ صالحٌ أو سيئ، يحدِّث عنه من بعده، ويشهد له أو عليه.