د. ياسين علي محمد عزي
لم تكن صحيفة «الجزيرة» أول منبر شرفت بأن أنشر لي فيه مقالاتي فحسب، بل كانت التجربة التي أعادت تعريف الكتابة في داخلي، وبدّلت نظرتي إلى العلاقة بين الفكرة وصاحبها، وبين النص وقارئه، وبين الكاتب والمنبر الذي يحمل كلمته إلى الناس. ففيها أدركت أن المقال لا يبدأ حين يضع الكاتب قلمه على الورق، ولا ينتهي حين يظهر اسمه في صفحة؛ وإنما يولد حين تلتقي فكرة تستحق أن تُقال بمنبر يفهم طبيعتها، وقارئ يجد فيها ما يضيف إلى وعيه.
قبل هذه التجربة، كنت أتعامل مع الكتابة بوصفها مساحة داخلية يصغي فيها الكاتب إلى صوته، ويصوغ أفكاره بالصورة التي ترضيه. كانت الفكرة تبدأ من داخلي وتنتهي إليّ، وكأن جودة النص تُقاس بمدى مطابقته لتصوري، لا بما يضيفه لقارئه. لكن الكتابة في «الجزيرة» نقلت السؤال من ذات الكاتب إلى قارئه: ماذا سيضيف المقال إلى من يقرأه؟ لماذا يمنحه القارئ جزءًا من وقته؟ وما الذي سيبقى معه بعد أن يفرغ من القراءة؟
هناك أدركت أن امتلاك الفكرة وحده لا يكفي، وأن اللغة، مهما بلغت من النضج والجمال، لا تؤدي رسالتها كاملة إلا حين تجد قارئًا يمنحها حياة تتجاوز صاحبها. فالنص الذي يبقى حبيس صاحبه قد يحقق له متعة التعبير، لكنه لا يدخل مجال التأثير إلا حين يعبر إلى الآخر.
لم يكن ما وجدته في «الجزيرة» منذ اللحظة الأولى مجرد وضوح في سياسة النشر، بل كان بداية فهم أعمق لطبيعة العلاقة بين الكاتب والمنبر. فحين يعرف الكاتب المساحة المتاحة له منذ البداية، يكتب لها لا لسواها؛ وحين يفهم طبيعة المنبر، ينتقي له الفكرة التي تنسجم مع هويته؛ وحين تتضح العلاقة بين الطرفين، يتفرغ الكاتب لمعركته الحقيقية مع المعنى، بدل أن تستنزفه الأسئلة المحيطة بمصير النص.
منحتني استمرارية التجربة مع «الجزيرة» فرصة واسعة لاختبار واختيار الأفكار الجيدة وفهم إيقاع المقال الصحفي. لم تكن القيمة في تتابع النشر وحده؛ لأن النشر، مهما تكرر، لا يصنع كاتبًا ما لم يتحول إلى خبرة واعية. كانت القيمة الحقيقية في انتقال الكتابة من محاولات متفرقة إلى ممارسة أكثر انتظامًا؛ فالكاتب لا يكتشف صوته في نص واحد، وإنما عبر تراكم يتيح له أن يرى ما يتكرر في لغته، وما ينبغي أن يتجاوزه.
مع كل مقال، كانت الفكرة تتعرض لامتحان مختلف: هل تحمل من الجدة ما يبرر طرحها؟ هل تخاطب القارئ من غير أن تستعرض عليه معرفة الكاتب؟ هل تحافظ على اتزانها حين تتناول قضية وطنية تقتضي الدقة بقدر ما تقتضي الحماسة؟ بهذا التراكم، لم تعد الكتابة فعلًا يبدأ بالرغبة في الحضور، بل مسؤولية تبدأ قبل اختيار الموضوع. فالكاتب المنتظم لا يستطيع أن يتكئ طويلًا على نجاح فكرة واحدة، أو يعيد إنتاج عباراته السابقة. الاستمرارية تكشف الكاتب أمام نفسه، وتدفعه في كل مرة إلى البحث عن مسافة جديدة يرى منها ما لم يره من قبل.
لذلك لم أعد أنظر إلى ظهور المقال بوصفه خروجًا من الصمت، بل دخولًا إلى مسؤولية جديدة. فالكلمة التي تجد نافذتها لا تعود ملكًا لصاحبها وحده؛ إذ تصبح جزءًا من وعي القارئ، ومن المجال العام الذي دخلته. وعندها لا يبقى السؤال: هل وصلت الكلمة؟ بل يصبح: ماذا صنعت بعد أن وصلت؟
هنا تغيّر موقعي من النص. لم أعد أراه مساحة أثبت فيها قدرتي على الصياغة، بل أمانة ينبغي أن تبلغ غايتها بأوضح طريق وأقله ضجيجًا. فاللغة ليست غاية في ذاتها مهما بلغت من البلاغة، وإنما جسر يحمل المعنى؛ وإذا انشغل القارئ بتزيين الجسر عن الوجهة التي يقوده إليها، فقد تكون اللغة قد أبهرت، لكنها لم تؤد وظيفتها التي أنيطت بها. من هذه الزاوية، صرت أراجع الفكرة قبل العبارة، وأختبر البناء قبل الزخرفة. لم يعد العمق عندي مرادفًا للتعقيد، ولا الإطالة دليلًا على اكتمال الفكرة. فالعبارة الأكثر قدرة على الوصول ليست الأكثر تزويقًا، بل الأكثر صدقًا وانضباطًا.
علمتني «الجزيرة» كذلك أن السياسة التحريرية ليست قيدًا على حرية الكاتب، بل إطار يساعد الفكرة على بلوغ صورتها الأنسب. فالقيد المهني لا يصادر الإبداع، بل يختبر قدرة الكاتب على أن يقول فكرته بالشكل الأكثر ملاءمة للمنبر الذي اختاره. وثمة فرق بين أن يكتب المرء نصًا ثم يبحث له عن مكان، وبين أن يفهم المنبر أولًا ثم يكتب له النص الذي ينسجم مع رسالته وجمهوره وإيقاعه.
في الحالة الأولى، يصبح النشر توفيقًا متأخرًا بين نص مكتمل ومساحة لم تُخلق له؛ أما في الثانية، فيدخل المنبر منذ اللحظة الأولى في تكوين المقال، لا بوصفه سلطة تملي على الكاتب ما يقول، بل بوصفه سياقًا يساعده على تحديد ما ينبغي قوله.
لهذا لم تعد «الجزيرة» مجرد صحيفة تستقبل المقالات، بل مدرسة عملية تعلمت فيها أن العلاقة بين الكاتب والمنبر لا تُبنى على النشر وحده، وإنما على الوضوح والثقة والإيمان المشترك بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مادة صحفية. ومن خلال هذه العلاقة أدركت أن الصحيفة ليست وسيطًا محايدًا؛ إنها مؤسسة تمتلك شخصية تحريرية ورؤية ورسالة وإيقاعًا خاصًا، وكل ذلك ينعكس على نوع الأفكار التي تمنحها مساحتها. لم يعد السؤال الذي يشغلني: أين أنشر؟ بل: أين تجد هذه الفكرة بيئتها الطبيعية؟ فالنصوص، كما البشر، لا تتشابه في طبائعها، ولا تزدهر جميعها في المكان نفسه.
عند هذه النقطة، بدأت المسافة بين الكتابة للذات والكتابة للآخر تتضح أمامي. فالكتابة الخاصة تسمح للفكرة أن تسير وفق إيقاع صاحبها، وتترك كثيرًا من المعاني في منطقة الإيحاء؛ لأن الكاتب هو القارئ. أما المقال الصحفي فلا يملك هذه الرفاهية؛ إنه يخاطب قارئًا لم يعش التجربة ذاتها، وقد يمنحه دقائق محدودة قبل أن يقرر الاستمرار أو المغادرة. ولا يعني هذا أن يتخلى الكاتب عن صوته إرضاءً للجميع، بل أن يتراجع خطوة عن مركز النص ليمنح الفكرة والقارئ المساحة التي يستحقانها. فالكاتب لا يفقد نفسه حين يراعي من يقرأه، بل يكتشف نسخة أكثر نضجًا من ذاته.
بهذا المعنى، لم تعد الكتابة تعبيرًا أحاديّ الاتجاه، بل علاقة تشاركية تبدأ بفكرة، وتمر بمنبر، وتُستكمل في وعي من يقرؤها. ويزداد هذا المعنى وضوحًا في العصر الرقمي؛ إذ لم يعد النشر نهاية رحلة المقال، بل بدايتها، فما إن يغادر النص صاحبه حتى يبدأ حياة أخرى بين القراء، يُعاد فيها تفسيره وتداوله من زوايا لم تخطر لكاتبه. لهذا أصبحت أتعامل مع المقال بوصفه مسؤولية تجاه قارئ يمنح الكاتب من وقته وثقته ما يستحق أن يُقابل بأقصى درجات العناية.
لم يكن الآخر الذي أكتب إليه قارئًا مجهولًا. كان الوطن حاضرًا في جوهر ما أكتب؛ في تحولاته الكبرى، وفي التعليم بوصفه مشروعًا لبناء الإنسان، وفي اللغة بوصفها أداة لحماية المعنى من الاختزال. ما زلت أؤمن بأن حماية الأوطان لا تتحقق بالقوة المادية وحدها، بل تحتاج كذلك إلى قلم يفسر مشروعها، ولغة تحفظ سرديتها. فالكتابة عن الوطن ليست احتفاءً عابرًا بالمنجز، ولا ترديدًا للشعارات، وإنما مسؤولية في تفسير التحول وربط السياسات بحياة الإنسان. والقلم الوطني ليس ذلك الذي يلغي السؤال، بل الذي يرتقي به إلى مستوى المصلحة العامة، ويميز بين النقد الذي يبني والضجيج الذي يجعل الاعتراض غاية في ذاته.
في «الجزيرة»، وجدت المساحة التي أتاحت لهذه الرؤية أن تتراكم؛ فلم يكن المقال الوطني فيها مضطرًا إلى أن يختار بين الاعتزاز والتحليل. وكلما ازدادت العلاقة استقرارًا، ازداد إدراكي أن الفكرة التي تصلح لزاوية تحليلية في صحيفة يومية قد تحتاج إلى بناء مختلف إذا انتقلت إلى مجلة ثقافية. ومن هنا اتسع فهمي للتنوع التحريري: لم يعد اختلاف المنابر يعني تفاوتًا في القيمة، بل اختلافًا في طرق الاقتراب من الفكرة نفسها. أدركت أن الكاتب لا ينبغي أن يكرر المقال نفسه في صحف متعددة مع تغيير العنوان، بل عليه أن يعيد التفكير فيه: ما الجانب الذي يناسب هذا المنبر؟ وما البعد الذي لم يظهر في معالجة سابقة؟
كان استقراري مع «الجزيرة» هو الأرض التي فهمت فيها هذه الأسئلة كلها. ومع ذلك، لم يمنعني هذا الاستقرار من أن أطرق أبوابًا أخرى، لا بحثًا عن بديل، بل امتدادًا طبيعيًا للسؤال الذي وُلد في «الجزيرة»: كيف تختلف فلسفة الكلمة من منبر إلى آخر؟
كانت أولى هذه التجارب مع صحيفة عكاظ. أرسلت إليها مقالًا يقارب ألفي كلمة، بُني منذ بدايته على التأمل والتدرج؛ لا يعتمد على فكرة واحدة تُقال سريعًا، بل على معنى ينمو خطوة بعد أخرى. وبعد مدة، جاءني طلب كريم باختصار المقال إلى نحو ثلاثمئة كلمة، بما يتناسب مع مساحة نبض التي خصصت حينها لنشر مقالي.
في ظاهره، بدا التوجيه طبيعيًا؛ فلكل صحيفة حقها في تحديد مساحاتها، والإيجاز أحد أصعب فنون الكتابة. لكن شيئًا آخر بدأ يحدث كلما تقدمت في الاختصار: لم أكن أشعر أنني أحرر المقال، بل أفكك بنيته وأفقده روحه. فالنص لم يكن قائمًا على أفكار مستقلة يمكن حذف بعضها دون أن يتأثر البناء، بل كان يعتمد على تدرج منطقي يجعل كل فقرة تمهد لما بعدها. كلما حاولت إنقاذه داخل تلك المساحة الضيقة، ازددت اقتناعًا بأنني لا أختصره، بل أغيّر طبيعته؛ وما كان سيبقى في النهاية ليس المقال نفسه، بل ملخص له، يحتفظ بعنوانه لكنه يفقد إيقاعه وأثره.
هناك توقفت، لا لأنني رفضت الإيجاز، بل لأنني أدركت أن المشكلة لم تكن في طول المقال، بل في نوعه. فبعض النصوص يمكن ضغطها دون أن تخسر روحها، وبعضها الآخر لا يعيش إلا داخل البناء الذي وُلد فيه. لذلك تركت المقال كما هو، وبدأت من جديد: لم أختصر النص، بل كتبت نصًا آخر، اخترت له فكرة واحدة فقط، وبنيت له مقالًا جديدًا منذ الجملة الأولى على أساس أنه سيولد داخل ثلاثمئة كلمة.
أرسلت هذا المقال وبعده عددًا من المقالات الأخرى، غير أن أيًا منها لم يجد طريقه إلى النشر، ولم يصلني تعليق تحريري يوضح السبب. لم أتعامل مع هذا الصمت بوصفه حكمًا على النصوص؛ فالصحف ليست ملزمة بتفسير كل قرار، ولكل منبر أولوياته وظروفه. لكن التجربة كلها أعادتني إلى سؤال أعمق: هل كانت المشكلة في جودة المقال؟ أم أنني كنت أكتب نصًا لا ينتمي، بطبيعته، إلى تلك البيئة التحريرية؟
من هنا بدأت أميز بين سياسة التحرير وفلسفة التحرير. سياسة التحرير هي ما يراه الكاتب منذ البداية: عدد الكلمات، وطريقة إرسال المواد، والمواعيد. أما فلسفة التحرير فهي الطبقة الأعمق التي لا تُكتب في تعليمات النشر، لكنها تظهر في كل اختيار تتخذه المؤسسة؛ إنها الطريقة التي ترى بها الصحيفة وظيفة المقال، ونوعية الأثر الذي تبحث عنه فيما تنشره. سياسة التحرير تخبر الكاتب كيف يعبر الطريق؛ أما فلسفة التحرير فتحدد أي الطرق يستحق أن يُعبر أصلًا.
كانت هذه من أثمن الدروس التي خرجت بها من التجربة: أن الكاتب لا ينبغي أن يسأل بعد انتهاء مقاله «أين أرسله؟»، بل عليه أن يسأل قبل أن يبدأ الكتابة: «لأي منبر يولد هذا المقال؟» بهذا الفهم، لم تعد تجربتي مع عكاظ تجربة مقال لم يُنشر، بل تجربة كشفت لي أن الاختصار ليس قيمة مستقلة، كما أن الإطالة ليست عيبًا في ذاتها؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد الكلمات، بل في العلاقة بين شكل النص والغرض الذي كُتب من أجله. وهذا فرق جوهري بين أن تختصر نصًا، وأن تكتب نصًا آخر.
بعد هذه التجربة، لم أعد أبحث في المنابر عن مساحاتها فحسب، بل عن زاوية النظر التي تقرأ منها الفكرة. وهنا جاءت تجربتي مع صحيفة الوطن لتضيف بعدًا آخر: علمتني أن اختلاف المنابر لا يبدأ عند عدد الكلمات، بل عند السؤال الذي يختاره كل منبر ليكون مدخلًا إلى الموضوع. في الوطن، لم أشعر أنني أكتب الفكرة نفسها التي كتبتها في «الجزيرة» بلغة أخرى، بل كنت أكتشف لها وجهًا جديدًا؛ فقد وجدت مساحة تستقبل اهتمامي بالشأن الوطني من زاوية تحليلية تتجاوز الحدث إلى اللغة التي تحيط به والخطاب الذي يصنع معناه.
هناك أدركت أن الحدث ليس دائمًا أهم ما فيه؛ فكثير من الأحداث تنتهي بانتهاء زمنها، بينما تبقى اللغة التي فسرتها والأسئلة التي أثارتها قادرة على الاستمرار بعد أن يغيب الخبر نفسه. لم تكن تجربتي مع الوطن مجرد إضافة منبر جديد، بل تأكيدًا على أن الفكرة الواحدة لا تُستنفد في معالجة واحدة؛ فالكاتب لا يعيد كتابة المقال نفسه حين ينتقل بين المنابر، بل يعيد اكتشاف الفكرة من زاوية أخرى. ومن هنا تغيّر فهمي لمعنى التنوع التحريري؛ لم يعد يعني توزيع المقالات بين الصحف، بل تدريبًا على توسيع الرؤية. فالحدث الواحد قد يُقرأ بوصفه قضية مؤسسية، أو سؤالًا ثقافيًا، أو تحليلًا للخطاب. ولهذا لا أؤمن البتة بما قد يعمله البعض بإعادة نشر المقال نفسه في أكثر من صحيفة مع تعديل عنوانه؛ فلكل منبر شخصيته التحريرية، ولكل جمهور طريقته في استقبال الفكرة.
إذا كانت «الجزيرة» قد علمتني كيف أبني العلاقة بين الكاتب والقارئ، وعكاظ قد كشفت لي الفرق بين سياسة التحرير وفلسفته، فإن الوطن أكدت لي أن المنابر لا تتنافس على الفكرة، بل تتكامل في كشف أبعادها.
أما مجلة الفيصل، فقد وضعتني أمام بعد آخر لم أتأمل أثره بالعمق نفسه: الزمن التحريري. نشرت فيها مقالًا نوعيًا أمضيت في بنائه ساعات طويلة، لم أتعامل معه بوصفه مادة يُراد لها أن تعبر إلى النشر فحسب، بل نصًا ينبغي أن يليق بتاريخ المجلة ومكانتها الثقافية. وحين أرسلت بعده مقالات أخرى، علمت أن العودة إلى النشر قد تستلزم انتظار نحو أربع دورات إصدار، أي ما يقارب ثمانية أشهر. لم يكن ذلك سببًا للاعتراض، بل فرصة للتأمل: فالزمن التحريري ليس مجرد مدة انتظار، بل جزء من فلسفة المؤسسة نفسها. فالصحيفة اليومية تتحرك داخل إيقاع الحدث، بينما تعمل المجلة الثقافية ضمن زمن يراهن على النص الذي يحتفظ بقيمته بعد أن تتغير الأخبار وتهدأ الضوضاء. تعلمت من الفيصل أن بعض المقالات لا ينبغي أن تُقاس بسرعة ظهورها، بل بقدرتها على البقاء.
وعندما نظرت إلى هذه التجارب مجتمعة، اكتشفت أنها لم تكن محطات منفصلة، بل أجزاءً من رحلة واحدة: «الجزيرة» المدرسة التي تشكل فيها وعيي بالعلاقة بين الكاتب والمنبر، وعكاظ التي كشفت أن شكل النص ليس منفصلًا عن فلسفة المؤسسة، والوطن التي أكدت أن اختلاف المنابر اختلاف في زاوية النظر لا في قيمة الفكرة، والفيصل التي منحتني درسًا لا يقل أهمية عن سابقيه. عندها اتضح لي أن اختيار المنبر لا يقل أهمية عن اختيار الموضوع نفسه؛ فقد تكون الفكرة جيدة، لكن وضعها في السياق غير المناسب يحرمها من أثرها. أما حين تلتقي الفكرة بالمنبر الذي خُلقت له، فإن النشر لا يعود محطة أخيرة في رحلة المقال، بل امتدادًا طبيعيًا لمعناه.
عند هذه النقطة أدركت أن الكاتب لا يصنع أثر الكلمة وحده. فالكاتب يكتب، لكن المحرر يساعد النص على أن يبلغ صورته الأنسب، والمنبر يمنحه سياقه، ثم يأتي القارئ ليمنحه حياته الأخيرة؛ فالكلمة لا تكتمل حين تُكتب ولا حين تُنشر، بل حين تجد عقلًا يعيد التفكير من خلالها. لهذا لم أعد أرى التحرير بوصفه تدخلًا في النص، بل مشاركة في مسؤوليته.
كنت، في بدايات الطريق، أظن أن الكاتب هو صاحب السلطة الأكبر على مقاله. غير أن التجربة علمتني أن هذه السلطة تتضاءل شيئًا فشيئًا منذ اللحظة التي يغادر فيها المقال يد صاحبه؛ فما إن يُنشر حتى يصبح جزءًا من حوار أكبر، يدخل إليه المحرر برؤيته، والمنبر بهويته، والقارئ بخبرته، والزمن بقدرته على إبقاء بعض النصوص وإزاحة بعضها الآخر. من هنا تغيّرت نظرتي إلى الملاحظات التحريرية؛ لم أعد أتعامل معها بوصفها انتقاصًا من النص، بل حوارًا بين عينين تقرآن العمل من زاويتين مختلفتين: عين تعرف كيف وُلدت الفكرة، وعين تعرف كيف ستُستقبل. وبين هاتين العينين غالبًا ما يولد النص الأكثر نضجًا.
كلما تقدمت في هذه الرحلة، ازددت اقتناعًا بأن الكتابة ليست معركة لإثبات التفوق اللغوي، ولا سباقًا إلى كثرة النشر. فاللغة قد تبهر القارئ لحظات، لكن ما يبقى في ذاكرته هو الفكرة التي وجد فيها معنى لم يكن حاضرًا لديه من قبل. لهذا أصبحت أراجع النص بسؤال مختلف: ماذا سيبقى إذا نسي القارئ جميع العبارات الجميلة؟ فإذا بقيت الفكرة، فقد نجح المقال؛ أما إذا بقيت الزخرفة وحدها، فربما يكون النص قد أعجب القارئ، لكنه لم يغيّر فيه شيئًا.
وهكذا لم تعد تلك التجارب محطات منفصلة في سيرتي الكتابية، بل أجزاء من مدرسة واحدة، تعلمت فيها أن النشر ليس غاية، بل نتيجة، وأن اختيار المنبر ليس خطوة إدارية تأتي بعد اكتمال المقال، بل قرار فكري يشارك في تشكيله منذ البداية. وأن الكاتب لا يكبر بعدد النصوص التي ينشرها، بل بعدد المرات التي ينجح فيها في أن يرى الفكرة بعين جديدة.
وربما كان أجمل ما خرجت به من هذه الرحلة أنني لم أعد أبحث عن الصحيفة التي تنشر أكثر، ولا عن المنبر الذي يصل أسرع، وإنما عن المكان الذي تجد فيه الفكرة صورتها الطبيعية، ويجد فيه القارئ النص الذي كُتب من أجله.
واليوم، كلما جلست أمام صفحة بيضاء، لا أبدأ بالسؤال: ماذا سأكتب؟ بل أبدأ بسؤال آخر تعلمته من هذه الرحلة: ما الفكرة التي تستحق أن تجد قارئها؟ فإذا عرفت جواب هذا السؤال، جاءت الكلمات بعده بهدوء، وعرفت طريقها إلى المنبر الذي خُلقت له. قد تبدو هذه الحروف، في ظاهرها، سردًا لرحلة مع عددٍ من المنابر الصحفية والثقافية، لكنها في حقيقتها تحية لكل مؤسسة آمنت بأن للكلمة الجادة مكانًا، ولكل محرر رأى في النص مسؤوليةً يتقاسمها مع كاتبه، ولكل قارئ وهب الكاتب أثمن ما يملك: وقته وثقته. فبمثل هذه الشراكة وحدها تستمر الكتابة، ويظل للكلمة أثرها.
فالكاتب يبدأ الرحلة وحده، لكن الكلمة لا تصل وحدها أبدًا.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي