حذامي محجوب
هناك مفارقة غريبة تكاد تختصر واحدة من أعمق أزمات الإنسان المعاصر.
في المشهد الأول: يجلس علماء ومهندسو وادي السيليكون أمام شاشات ومختبرات فائقة التطور، يحاولون اختراق حدود الجسد، وإطالة العمر إلى ما بعد المئة والخمسين، وربما أبعد من ذلك بكثير.
وتظهر في هذا العالم أفكار تتعامل مع الموت باعتباره عطبًا بيولوجيًّا، أو مشكلة تقنية قد يأتي العلم يومًا ليجد لها حلاً.
وفي المشهد الثاني، تجلس برلمانات في دول أوروبية لتناقش قوانين تمنح الإنسان، في ظروف محددة، حق إنهاء حياته بمساعدة الدولة، ويُقدَّم الموت هنا بوصفه اختيارًا إراديًّا فرديًّا، وقد يُقدَّم أحيانًا باعتباره أحد وجوه الكرامة والحرية.
المشهدان يبدوان متناقضين:
لكن، إذا أمعنا النظر، سنكتشف أنهما قد يكونان وجهين لفلسفة واحدة.
ففي الحالتين، لم يعد الموت مجرد قدر يقف الإنسان أمامه متواضعًا أمام حدود وجوده، بل أصبح موضوعًا لإرادته: إن لم يستطع القضاء عليه، حاول تأجيله، وإن عجز عن هزيمته، سعى إلى تنظيمه، وإن لم يملك الخلود، أراد على الأقل أن يمتلك قرار النهاية.
وهنا تبدأ الحكاية الأخطر.
لقد كان الموت، منذ فجر التاريخ، الحدّ الأخير الذي يذكّر الإنسان بأنه ليس خالدًا، وأن في هذا الكون أشياء لا تخضع بالكامل لإرادته. أما الإنسان الحديث، الذي نشأ في ظل انتصارات العلم والتكنولوجيا، فقد اعتاد أن يرى الحدود بوصفها تحديات مؤقتة، وأن ينظر إلى كل عجز باعتباره مشكلة تنتظر حلاً.
حتى الجسد لم يعد، في هذه الرؤية، قدرًا نهائيًّا.
إنه مشروع قابل للتحسين.
والشيخوخة ليست بالضرورة مرحلة من مراحل العمر، بل خلل ينبغي إبطاؤه.
والمرض ليس دائمًا جزءًا من هشاشة الوجود، بل عدو ينبغي القضاء عليه.
والموت نفسه لم يعد خاتمة لا مفر منها، وإنما أصبح إما مشكلة تقنية ينبغي حلها، أو قرارًا شخصيًّا ينبغي تنظيمه.
ومن هنا، يصبح السؤال أكبر بكثير من قضية القتل الرحيم أو قوانين نهاية الحياة.
إنه سؤال عن التحول الذي أصاب صورة الإنسان عن نفسه.
في حواره اللافت مع صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، لا يتعامل الفيلسوف الفرنسي «أوليفييه ري» مع مسألة القتل الرحيم باعتبارها مجرد ملف قانوني أو طبي، بل يضعها في سياق تحوّل حضاري أوسع: الإنسان الذي لم يعد يرى نفسه كائنًا يعيش داخل نظام كوني له حدوده وقوانينه، وإنما مشروع مفتوح لإعادة التصميم.
وهذه هي إحدى النتائج العميقة لعصر التقنية.
فالتقنية لا تمنحنا أدوات جديدة فحسب، بل يمكن أن تمنحنا أيضًا طريقة جديدة في النظر إلى العالم.
وقد تنبّه مارتن هيدغر إلى ذلك مبكرًا، حين رأى أن جوهر التقنية ليس في الأدوات التي نصنعها، وإنما في الطريقة التي تجعلنا ننظر بها إلى الموجودات كلها باعتبارها قابلة للحساب، والاستثمار، والسيطرة، وإعادة التشكيل.
وعندما يصبح كل شيء قابلًا للتحسين، يصبح الإنسان نفسه مشروع تحسين دائم.
وحينها تبدو الشيخوخة عطبًا.
والضعف فشلًا.
والمرض خللًا.
والموت خطأً في التصميم.
لكن المفارقة تبدأ عندما تصطدم هذه الفلسفة بجدار لا تستطيع التكنولوجيا اختراقه.
فمهما تقدمت المختبرات، يبقى الزمن أقوى من الجسد.
ومهما تطورت الأدوية، يبقى المرض جزءًا من التجربة الإنسانية.
ومهما اتسعت قدرة الإنسان على إطالة الحياة، يبقى هناك حد لا يستطيع تجاوزه.
وهنا يحدث التحول المدهش: المجتمع الذي حلم طويلاً بإلغاء الموت، يشرع في البحث عن طريقة لامتلاكه!
فإذا لم نستطع أن نمنع النهاية، فلنقررها نحن.
وإذا لم نستطع السيطرة على الحياة إلى الأبد، فلنمتلك على الأقل سلطة اختيار لحظة نهايتها.
قد يبدو الأمر تناقضا، لكنه في العمق استمرار للمنطق نفسه: إرادة لا تقبل أن تكون هناك منطقة في الوجود لا تخضع لها.
ومن هنا، فإن الجدل حول القتل الرحيم يتجاوز بكثير حدود المستشفى والمحكمة والبرلمان.
إنه جدل حول معنى الإنسان ووجوده.
وحول السؤال: هل قيمة الإنسان ثابتة لأنه إنسان، أم أنها مرتبطة بما يستطيع أن يفعله، وينتجه، ويستهلكه، ويقرره؟
وهنا يكمن الخطر الأكثر هدوءًا والأشد عمقًا.
فالقانون لا ينظم السلوك فحسب، إنه يعيد، مع الزمن، تشكيل الوعي الاجتماعي.
وما يبدأ كاستثناء شديد الضيق، مبررًا بظروف إنسانية استثنائية، يمكن أن يفتح نقاشات جديدة حول حدود هذا الاستثناء ومعاييره ونطاقه.
وهذا ما يجعل التجربة الهولندية، منذ إقرار قانون القتل الرحيم عام 2002، جزءًا أساسيًّا من النقاش العالمي حول المسألة، إذ اتسعت النقاشات والتطبيقات على مر السنين لتشمل أوضاعًا طبية أكثر تعقيدًا، بما فيها بعض الأمراض النفسية، وهو ما أعاد إلى الواجهة السؤال القديم نفسه: إذا كانت الإرادة الفردية هي المرجع الأعلى، فمن يملك أن يرسم لها حدودًا؟
لكن المشكلة، في نهاية المطاف، ليست مشكلة تشريع فقط.
إنها مشكلة معنى.
لقد نجح الإنسان المعاصر في إطالة متوسط العمر، وانتصر على أمراض كانت تُعد في الماضي عبارة عن إعدام، وفتح أبوابًا علمية لم يكن أسلافه يتصورونها.
ومع ذلك، فإن وفرة الوسائل لم تمنحه بالضرورة وفرة في المعنى.
قد يعيش الإنسان في مجتمع غني، محاطًا بالتكنولوجيا، محميًّا بشبكات اجتماعية ومؤسسات صحية متقدمة، ثم يجد نفسه وحيدًا أمام سؤال لا يستطيع أي مختبر الإجابة عنه: ما الذي يجعل هذه الحياة جديرة بأن تعاش؟
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الحضارة الحديثة: لقد أصبح الإنسان أكثر قدرة على التحكم في شروط الحياة، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر قدرة على فهم غايتها.
لقد ربح معارك مذهلة ضد الطبيعة، لكنه لم يحسم معركته مع نفسه.
ولذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا:
كيف نؤجل موتنا؟
ولا حتى: هل نملك الحق في اختيار نهايتنا؟
بل السؤال الذي يسبق الاثنين: لماذا وُجدنا ونعيش أصلًا؟
وهنا تبدو الرؤية الإسلامية أبعد من مجرد موقف ديني من الموت، إنها تصور متكامل للإنسان ورسالته، وللحياة ومعناها، ولحدود الإرادة البشرية.
فالإسلام لا ينظر إلى الموت باعتباره خللًا بيولوجيًّا ينبغي إصلاحه، ولا باعتباره هروبًا من الألم، بل باعتباره جزءًا من نظام وجودي أوسع، يمنح الحياة نفسها معناها.
ولذلك تأتي الآية القرآنية العميقة: «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً».
إن تقديم الموت على الحياة في الآية يفتح بابًا فلسفيًّا بالغ العمق: الحياة ليست مجرد امتداد زمني، وليست سباقًا نحو أطول عدد ممكن من السنوات، وإنما مجال للفعل والاختبار والمسؤولية.
وهنا يتغير معيار النجاح كله.
ليست قيمة الإنسان في أن يعيش أطول.
ولا في أن يبدو أقوى.
ولا في أن يظل منتجًا إلى الأبد.
ولا في أن يؤجل الشيخوخة إلى أقصى ما يستطيع.
بل في ماذا فعل بحياة مُنحت له.
ولهذا جاء في الحديث النبوي الشريف:
«خير الناس من طال عمره وحسن عمله».
فطول العمر ليس فضيلة في حد ذاتها، الفضيلة أن يتحول العمر إلى فعل خير، وأن تتحول السنوات إلى أثر، وأن يبقى من الإنسان بعد رحيله ما ينفع الناس.
وهذا المعنى يعيد للضعف الإنساني كرامته.
فالشيخوخة ليست عارًا.
والمرض ليس انهزامًا أو فشلًا أخلاقيًّا.
والإعاقة لا تنتقص من قيمة صاحبها.
والعجز لا يلغي إنسانية الإنسان.
لأن قيمة الإنسان، في هذا الموقف وهذه الرؤية، لا تتوقف على مقدار إنتاجه، ولا على استقلاله الجسدي، ولا على قدرته على الاستهلاك، ولا على حجم ما يستطيع أن يقدمه للسوق.
إن الإنسان يظل إنسانًا حتى في أكثر لحظات ضعفه.
بل لعل الحضارة تُختبر تحديدًا في الطريقة التي تُعامل بها أضعف أفرادها.
هل ترى في المريض عبئًا؟
أم ترى فيه إنسانًا يحتاج إلى الرحمة؟
هل ترى في المسن شخصًا انتهت فائدته؟
أم ترى في شيخوخته تاريخًا حيًّا يستحق الرعاية والامتنان؟
هل تقيس كرامة الإنسان بما يستطيع أن يفعله؟
أم تؤمن بأن كرامته تسبق كل منفعة؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل قضية الموت أعمق من أن تُختزل في صراع بين «الحرية» و»المنع».
فالحرية نفسها تحتاج إلى فلسفة تحدد غايتها وحدودها، والكرامة تحتاج إلى تعريف لا يجعل الضعف سببًا لسحبها من الإنسان.
ومن هنا، فإن الخطر ليس في أن يتقدم العلم.
بل في أن يتقدم العلم أسرع من تقدم حكمتنا.
وليس الخطر في أن نحاول علاج المرض أو إطالة العمر، فهذا من أعظم ما حققته البشرية.
الخطر أن نصل إلى لحظة نعتبر فيها كل ما لا يمكن إصلاحه عيبًا، وكل ما لا يمكن تحسينه فشلًا، وكل حياة لا تستجيب لمعايير الكفاءة والاستقلال والمتعة حياة أقل قيمة.
عندها، قد لا يحتاج الإنسان إلى أن يُجبر على الرحيل.
يكفي أن تجعله الثقافة يشعر، بصمت، أنه أصبح عبئًا.
وهنا تتحول «حرية الاختيار» من حق معلن إلى ضغط غير مرئي.
إنسان مسن يشعر بأنه يستهلك أكثر مما ينتج.
مريض يشعر بأنه يكلف عائلته كثيرًا.
شخص ضعيف يشعر بأن المجتمع لم يعد يحتمل ضعفه.
وحين تصبح الكرامة مرتبطة بالاستقلال الكامل، قد يبدأ الإنسان في الاعتقاد بأن طلب المساعدة نفسه إهانة.
وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها السؤال الأخلاقي أكثر خطورة من السؤال القانوني.
هل نحن نوسع مساحة الحرية أمام الإنسان، أم نعي تعريف الحياة بطريقة تجعل البعض يشعرون بأن الرحيل هو الخيار الأكثر كرامة.
إن الحضارة التي تجعل الإنسان يقضي عمره كله في الهروب من الموت، قد تنتهي، على خلاف المتوقع، إلى جعله يهرب من الحياة نفسها.
أما الحضارة التي تمنح الموت معنى، فإنها تمنح الحياة معنى أيضًا.
ولهذا فإن التصور الإسلامي لا يقدم الموت بوصفه هزيمة، ولا بوصفه عبثًا، ولا باعتباره نهاية بلا أفق، بل يضعه ضمن تصور أوسع للوجود، حيث الحياة أمانة، والعمل مسؤولية، والموت انتقال، والإنسان ليس مالكًا مطلقًا لوجوده بقدر ما هو مؤتمن عليه.
ومن هنا يصبح الإنسان أكثر قدرة على مصالحة نفسه مع ضعفه.
لا لأن الضعف جميل في ذاته، ولا لأن المرض مطلوب، ولا لأن الألم ينبغي تمجيده، وإنما لأن قيمة الإنسان لا تسقط عندما تسقط قدرته.
وهذه، ربما، واحدة من أكثر الأفكار التي يحتاج إليها عالمنا اليوم.
فالعلم يستطيع أن يطيل العمر، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحه معنى.
والطب يستطيع أن يخفف الألم، لكنه لا يستطيع وحده أن يجيب عن سؤال الغاية.
والقانون يستطيع أن ينظم لحظة الموت، لكنه لا يستطيع أن يقرر لماذا كانت الحياة جديرة بأن تُعاش.
تلك أسئلة تتجاوز المختبر والبرلمان.
إنها أسئلة الإنسانية والحضارة.
ولعل الإنسان المعاصر لا يعاني، في جوهر أزمته، من خوف أكبر من الموت بقدر ما يعاني من فقدان القدرة على فهمه.
وحين يفقد الموت معناه، تبدأ الحياة نفسها في فقدان معناها.
عندها يتأرجح الإنسان بين حلم الخلود الذي تعده به المختبرات، وبين تشريع النهاية الذي تناقشه البرلمانات، وبين عالم استهلاكي يربط قيمة الإنسان بشبابه وصحته وإنتاجيته وقدرته على الاستقلال.
وفي قلب هذا كله يبقى سؤال واحد عصيًّا على العلم والقانون والتكنولوجيا: ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش؟
ربما هنا تحديدًا ينبغي أن نعيد ترتيب الأسئلة.
فليست المعركة الكبرى أن نعيش أطول.
وليست البطولة أن نسيطر على كل شيء.
وليست الحرية أن نمتلك حتى لحظة النهاية.
السؤال الأعمق هو: ماذا فعلنا بالوقت الذي منح لنا؟
فبين حضارة تريد أن تهزم الموت، وحضارة تريد أن تفهمه، مسافة هائلة.
الأولى تنظر إلى الإنسان باعتباره سيدًا مطلقًا على وجوده، وكل حدّ أمامه تحدٍّ ينبغي كسره.
أما الثانية، فترى الإنسان خليفةً لله، مؤتمنًا على الحياة، يعرف أن قوته لا تلغي محدوديته، وأن كرامته لا تتوقف على قدرته، وأن النهاية ليست ما يمنح الحياة قيمتها، بل ما نفعله قبل أن نصل إليها.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
كيف ننتصر على الموت؟
بل: كيف نعيش بحيث لا نحتاج إلى الهروب من الحياة؟
فحين يعرف الإنسان لماذا يعيش، لا يعود الموت مجرد عدو.
وحين يفهم معنى الرحلة، لا تصبح نهايتها إلغاءً لها.
وحين يعرف أن الحياة أمانة، يدرك أن أعظم أشكال الكرامة ليس أن يملك الإنسان نهايته، وإنما أن يحسن المسير حتى نهايتها.