أ.د.عثمان بن صالح العامر
أين يتجه العالم، وماهو مستقبل الصراع بين بني آدم، ومن المستفيد من هذه الحروب الدائرة في مناطق عدة من الكرة الأرضية؟.
هذا هو السؤال الاكثر شيوعاً في منطقتنا الخليجية اليوم، وربما العربية على وجه العموم، ولا أبالغ إذا قلت أنه السؤال الأكثر حضوراً وأهمية في العالم أجمع سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافياً واجتماعياً، وهو- أعني - السؤال عن الحرب ليس جديداً في تاريخ الفكر البشري المعاصر.
ففي عام 1932م تبادل العالم الفيزيائي (ألبرت أينشتاين) وعالم النفس (سيغموند فرويد)، رسائل فكرية نُشرت لاحقًا تحت عنوان «لماذا الحرب؟». كان العالم آنذاك يترنح تحت آثار الحرب العالمية الأولى، وتلوح في الأفق نذر حرب أشد ضراوة. تساءل أينشتاين: هل يمكن للبشرية أن تتحرر من لعنة الحرب؟ فجاء جواب فرويد متشائمًا إلى حد بعيد؛ إذ رأى أن في الإنسان نزعة عدوانية متأصلة، وأن الحضارة تستطيع أن تكبحها، لكنها لا تستطيع اقتلاعها.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى الساعة مايزال السؤال معلقًا في فضاء الإنسانية: لماذا الحرب؟ بل ربما أصبح أكثر إلحاحًا مع كل صراع جديد ينشب في أي جزء من عالمنا المعاصر.
إذا كانت البشرية استطاعت أن تغزو الفضاء، وأن تفك شفرة الجينوم البشري، وأن تطور الذكاء الاصطناعي، فلماذا لا تزال تعجز عن إيقاف آلة الحرب؟ كيف استطاع الإنسان أن يبتكر وسائل لإنقاذ الحياة، وفي الوقت نفسه يبتكر وسائل أكثر فتكًا لإنهائها؟. إن التاريخ يخبرنا أن الحروب لم تكن يومًا ذات سبب واحد. فمنها ما اشتعل بسبب الطمع في الأرض والثروات، ومنها ما أججته الأيديولوجيات، ومنها ما غذته العصبيات القومية أو العرقية أو الدينية، ومنها ما كان مجرد صراع على النفوذ وإعادة رسم خرائط القوة. لكن النتيجة تكاد تكون واحدة في كل زمان ومكان: دماء، ودموع، وخراب، وأجيال تدفع ثمن قرارات لم تشارك في صنعها.
ولعل المفارقة المؤلمة أن الحرب تبدأ غالبًا بخطاب يمجد البطولة والانتصار، لكنها تنتهي بقوائم طويلة من الضحايا والأيتام والأرامل، وباقتصادات منهكة، ومدن تحتاج إلى عقود لتنهض من جديد. أما المنتصر الحقيقي، فهو في كثير من الأحيان مصانع السلاح التي تزدهر تجارتها كلما اتسعت رقعة الصراع، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
لقد حاول الفلاسفة تفسير الحرب كلٌّ من زاويته. فرأى توماس هوبز أن الإنسان في طبيعته يميل إلى الصراع ما لم تضبطه سلطة قوية، بينما اعتقد إيمانويل كانط أن السلام الدائم ممكن إذا خضعت العلاقات الدولية للقانون والعدالة. أما علماء الاجتماع والسياسة فقد أضافوا أن الظلم، والفقر، والاحتلال، وغياب التنمية، كلها بيئات خصبة لتوليد العنف وإعادة إنتاجه.
واليوم، ونحن نتابع ما يجري في مناطق متعددة من العالم، من الشرق الأوسط إلى أوروبا، ومن أفريقيا إلى غيرها، يبدو أن السؤال الذي طرحه أينشتاين لم يفقد راهنيته، بل ازداد حضورًا. فما تزال الإنسانية تتحدث عن حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه تشهد انتهاكاتها. وتتغنى بالقانون الدولي، بينما يُعطل عندما تتعارض نصوصه مع مصالح الأقوياء. وتحتفي بالحوار، ثم تعود إلى لغة القوة كلما تعثرت السياسة.
لعل المشكلة ليست في أن الإنسان لا يعرف قيمة السلام، بل في أن مصالح الدول كثيرًا ما تتغلب على ضميرها، وأن ذاكرة البشرية قصيرة؛ فما إن تندمل جراح حرب حتى تبدأ الاستعدادات للحرب التالية، وكأن التاريخ يعيد نفسه بأسماء مختلفة وأسلحة أكثر تطورًا.
سيظل كتاب «لماذا الحرب؟» شاهدًا على أن السؤال أعمق من أن تجيب عنه رسالة بين عالمين، وأوسع من أن تحله معاهدة أو مؤتمر. إنه سؤال يرتبط بطبيعة الإنسان، وبأخلاق السياسة، وبعدالة النظام الدولي، وبقدرة المجتمعات على تقديم الحوار على الصدام.
وربما لن تتوقف الحروب ما دام في الأرض ظلم، وطمع، واستعلاء، وما دامت القوة تُقدَّم على العدالة، والمصلحة على المبادئ. لكن يبقى الأمل قائمًا في أن تتعلم الإنسانية من مآسيها، وأن تدرك أن أعظم انتصار ليس هزيمة العدو، بل تجنيب الإنسان ويلات حرب جديدة.
ويبقى السؤال، بعد كل هدنة، وبعد كل اتفاق سلام، وبعد كل حرب تنتهي لتبدأ أخرى: لماذا الحرب؟ ولعل الإجابة الحقيقية لن تكون في الكتب وحدها، بل في إرادة البشر عندما يقررون أن حياة الإنسان أغلى من كل مكسب سياسي أو اقتصادي أو عسكري.
حفظ الله بلادنا وخليجنا وحرس الرب حدودنا ونصر جندنا، ووقانا شر من به شر، ودمت عزيزا يا وطني وإلى لقاء والسلام.