د. عبدالله بن محمد السهلي
على ضفاف البسفور، وفي ليلة من ليالي أسطنبول الباذخة قد اكتمل القمر بدراً في سمائها لينثر دره على سطح مياه مضيقها. لوحةٌ جماليةٌ تبعث في النفس بهاءاً وبهجةً وسكينةً . تزينها أصوات السفن التي تحمل السياح بين ضفتي المضيق، ونسائم البحر الندية تداعب أنفاسنا. تتراى لك مآذن أيا صوفيا وجسر البسفور وأضواء المدينة. في مشهدٍ بانورامي بهيج.
هناك رحتُ أتأمل وجوه الغادين والرائحين من شتى بقاع الأرض؛ كان غالب السياح النساء -أو هكذا بدا لي- ولم يكن كلهن غيد حسان كما يحلم الحالمون أو يصوره العاشقون! في مشهدٍ إنساني تتجاور فيه الثقافات كما تتجاور القارات.
إنها إسطنبول؛ المدينة التي يتعانق فيها الزمان مع المكان، ويصافح الشرق فيها الغرب، ويظل الماضي حاضرًا في كل شارعٍ ومئذنةٍ وفي كل موجةٍ من أمواج مرمرة.
هناك اقتطعتُ من وقتي بضعة أيام، ألتمس فيها السكينة وأسترد صفاء النفس. كانت سياحةً فرديةً مقصودة؛ بعيدًا عن رفقةٍ تكبلني بمواعيد اليقظة والمنام أو الذهاب والمجي. ولعل من أسباب اختياري تركيا أيضًا صلةً علميةً وعاطفيةً ؛ فقد كان أستاذي في مرحلة الدكتوراه الأستاذ التركي البروفيسور مقداد يالجن، الذي أمضى نحوا من أربعين عامًا في مدينة الرياض، ونال جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام تقديرًا لجهوده العلمية. كما كان لي عددٌ من الطلاب الأتراك الذين درستهم في الجامعة، وكان عبدالله أحدهم فقد دأب على زيارتي في القسم الأوروبي من إسطنبول، فازدادت الرحلة دفئًا بذكريات العلم ووفاء التلاميذ، والعلم رحمٌ بين أهله. وقبل هذا كله معانقة الرياض لأختها أنقرة في ظل قيادتين رشيدتين فاعلتين في المنطقة والعالم أجمع. وبرغم كل هذه المشاعر الإنسانية التي أخذت تجتال في خاطري اجتيال خيل الفاتحين للقسطنطينية إلا أن بين جوانحي مدينة غادرتها ولم تغادرني. ودعتها وإذا هي معي. تركتها ولم تفارق مخيلتي.
ودعتها وبودي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودعها
إنها الرياض يا سادة. حب الرياض رياض الحب. رياض الولاء والوفاء وقد صدق ابن الرومي حين قال:
ولي وطنٌ آليتُ ألّا أبيعَهُ
وألّا أرى غيري له الدهرَ مالكًا
فقد ألِفَتْه النفسُ حتى كأنّهُ
لها جسدٌ إن بان غودرتُ هالكًا
نعم، يابن الرومي فماذا عساك أن تقول لو سكنت شامة المدن وأيقونة الحضارة مدينة الرياض. مدينة تسكنك قبل أن تسكنها. مدينة تشعرك أن شيئًا من روحك استقر فيها، تنساب مهجتك بين أحيائها وطرقاتها.
لقد جمعت الرياض التاريخ والوجدان والرؤية والطموح والتنمية. جمعت وفاء العارض والولاء لسراة الليل الذي أثمر هتاف الصباح.
ولعل أجمل ما في الرياض أنها تجمع بين الأصالة والتجدد. فهي مدينة ضاربة في عمق التاريخ، ومنها انطلقت ملحمة توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، ثم أصبحت اليوم عاصمةً تصنع المستقبل، وتمضي إليه بخطى واثقة، حتى غدت واحدة من أكثر مدن العالم حيويةً وحراكًا.
ولذلك فإن حب الرياض هو في جوهره حبٌ لأهلها، وللقيم التي احتضنتها، وللطموح الذي يجمع أبناءها والمقيمين فيها، حتى أصبحت مدينةً تفتح ذراعيها لكل مجتهد، ولكل صاحب حلم.
لقد أصبحت الرياض اليوم أكثر من عاصمة سياسية أو اقتصادية؛ إنها عنوانٌ لمشروع وطني كبير، وشاهدٌ على قدرة هذه البلاد على أن تجمع بين الوفاء للماضي، والإيمان بالمستقبل. إنها مدينة كلما اتسعت شوارعها، اتسعت معها الآمال، وكلما ارتفعت مبانيها، ارتفعت معها الطموحات. في عملٍ دؤوب ورؤية طموحة في عهد خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان عرّاب الرؤية ومهندس مستقبلها.
ولهذا كله، تبقى الرياض شامة المدن. وملهمة البناء. مدينةً نغادرها لكنها لا تغادرنا. ودمتم بخير.