صالح الشادي
قال لي مازحًا: «أعرف طبيبًا نفسيًا رائعًا...»، كان ذلك صديقي أبو خالد حين علم أنني أحدثه من قلب الصحراء، حيث خيمتي التي تئنّ تحت وطأة الريح، والقليل من الشجر الذي يحني ظهره للرمال، والنادر من الماء الذي يُعدّ بالقطرات لا باللترات. الأمر بالنسبة له، كرجل بزنس تعوّد على مكيّفات المدن وانتظام الساعات، بدا ضربًا من الجنون، ربما هروبًا مريضًا يحتاج إلى تشخيص عاجل. ولا ألومه، فهو ابن الأرقام، نشأ بين الجدران الإسمنتية، فعشق الاستقرار الصناعي، ولم يذق طعم التقلب.
أما أنا، فالحياة عندي ليست سكونًا، بل رقصٌ مع تقلبات الوجود. هنا، في هذا المرمى الموحش، تغدو التفاصيلُ القاسيةُ عينَ المتعة. في عزّ القيظ، حين تموج الحرارة كالسراب، وتصير الخيمةُ فرنًا لاهبًا يضغط على الأنفاس، لا أشعر بالتذمر، بل بالنشوة. كل قطرة عرق تتسرّب على الجبين تغسل همومًا، وكل حبّة غبارٍ ناعمٍ تعلو الوجه ليست وسخًا، بل مسكٌ ذائبٌ يمنحني طهارةً لا يمنحها أيّ دشّ بارد. وحين يتسلّل برد الليل القارس من كل شق، وتكاد النجوم تتجمّد في مكانها، وتنكمش العظام تحت غطاء خفيفٍ لا يدفئ، أجد في تلك القشعريرة دفئا داخليًا لا توصف، وكأن الكون يعصرني ليمنحني جوهره الصافي.
هذا التقلّب العاتي بين النار والجليد، بين الغبار المتطاير كالجنون والهدوء الصحراوي السرمدي، لا يثير فيّ انزعاجًا، بل بهجةً غريبةً تليق بالعشاق. إنها موسيقى الوجود الخشنة التي تُلهب خيالي، وتمنحني إلهامًا لا يضاهيه أيّ هدوء مصطنع. فكيف لشاعر أن يكتب دون أن يحسّ بوهج النهار يلسع وجهه، أو بصرير الليل يعصر روحه؟ في حرّ الخيمة أتعلّم الصبر الجميل، وفي بردها أكتشف أن الدفء الحقيقي ليس درجة حرارة، بل حالة روحيّة.
أسرتي وأبنائي، والأصدقاء المقربون، عرفوا أن هذه الرحلة ليست نزوة، بل جرعة وجودية أحتاجها لأتجدد. أعود من وقت لآخر إلى زحام المدن لأجدد البناء العاطفي، لكن سرعان ما تشدّني الفضاءات الرحبة. هناك، حيث تخيم الحقيقة العارية، لا أجد شيئًا مما يسمّونه «راحة»، بل أجد ما هو أثمن: التحليق، التسبيح، والتماهي مع فضاءات الله الواسعة. الغبار يغطي جسدي، لكنه ينقّي روحي؛ والحرّ يحرق جلدي، لكنه يشعل فيّ نورًا.
هذا الأمر قديم، بدأته منذ نعومة أظافري: الخروج من قفص المدينة. هناك من يخرج لرعي الأغنام، وهناك من يخرج للمزارع والاستثمار، وآخرون للنزهات العابرة. أما أنا، فأخرج منفردًا من المطار إلى الصحراء، حيث الجمال الذي لا يُوصف، والحقيقة التي لا تقبل الجدال. هنا، كل زوبعة غبار ترسم لي قصيدة، وكل تقلبٍ في الطقس يمنحني درسًا في التواضع، بأنني لست سوى نسمةٍ عابرة في هذا المدى الرحب.
فالسعادة، يا صديقي أبا خالد، ليست في استقرار درجات الحرارة، بل في القدرة على احتضان تقلباتها. ليست في نظافة الوجه، بل في غبار الروح الذي يثبت أنني حيّ، أحسّ، وأكتب، وأسبّح. ما يراه الآخرون مشقّة، أراه أنا طقسًا مقدسًا، لا أتذمر منه، بل أُقيم فيه صلواتي، وأغتسل به من نفاق المدن، لأعود كما يعود المطر: ثقيلًا بالحياة، خفيفًا بالروح.