أحمد صالح حلبي
قبل أن تلامس أناملي صفحات كتاب (نفحات أدبية عن دُرر ومواقع مكية)، لمؤلفه الدكتور/ تنيضب الفايدي، توقفت أمام غلافه متأملاً صوراً شتى لمواقع إسلامية مميزة بمكة المكرمة، البعض منها حديث، والآخر قديم، وبين الحديث والقديم إشارة من المؤلف إلى أن مكة المكرمة، أم القرى ومهوى الأفئدة، ولدت لتكون قبلة للمسلمين ومقصداً للحجاج والمعتمرين استجابة لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام حينما رفع يديه قائلاً: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
وقبل الحديث عن محتويات الكتاب ومباحثه الست، أتوقف أمام مقدمته التي وصف فيها المؤلف حال المسلم عند دخوله للمسجد الحرام، بقوله: «ويشعر المسلم عند دخوله المسجد الحرام ورؤية الكعبة المشرفة بالرهبة.. رهبة الإجلال والتقدير، بل وقد يفقد التعبير وتعز عليه الكلمات المناسبة، لتحل الدموع تعبيراً عن رهبة وروعة اللقاء».
أما مكة المكرمة فقال إنها: «تلك البقعة الطاهرة التي انبثقت منها أعظم رسالة عرفتها البشرية، لها تاريخ موغل في القدم، حيث وضع فيها أول بيت للناس قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96-97]».
وعن كتابه يقول: «تركيزي في هذا الكتاب عن الدرر داخل مكة المكرمة مثل: البيت الحرام، ومنه: الكعبة المشرفة، مقام إبراهيم، بئر زمزم وغيرها، وجبل حراء وجبل ثور، وجبل الخندمة، وعرفات ومنى ومزدلفة وغيرها من المواقع التي داخل مكة المكرمة، ثم على المواقع الأثرية والتاريخية التي هي خارج مكة المكرمة ولكن تأتي ضمن حدود منطقة مكة المكرمة ولها علاقة بالسيرة النبوية، وجميع المواقع اعتبرها درراً لندرتها ولقيمتها التي لا تقدر بثمن».
تناول في المبحث الأول نبذة عن مكة المكرمة، وفيه تحدث بلغة الجغرافي المتخصص متناولاً حدودها ومساحتها، وطبوغرافيتها وجغرافيتها، ومناخها، ثم تناول أسماءها البالغة «أكثر من مائة اسم، البعض منها يختص بالبيت الحرام، والبعض تدل على طبيعة مكة الجغرافية، والبعض تدل على الحرم»، وبداية السكن بها، والنشاط الاقتصادي لأهلها، تربية المواشي، الزراعة، الطوافة وخدمات الحجاج، الصيد.
وأبرز أهمية مكة المكرمة «لدى كل مسلم، ففيها الكعبة المشرفة التي هي قبلة المسلمين في الصالة كلها قال الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) الآية 144 سورة البقرة.
في المبحث الثاني تناول الحديث عن مكة عبر التاريخ، والتطور التاريخي لها، ومكة تحت سيادة قريش، والمنطقة في عصور ما قبل التاريخ، والمنطقة في عصور ما قبل الإسلام.
وفي حديثه عن مكة من البعثة النبوية إلى قيام الدولة السعودية، تناول مكة في عهد الرسالة النبوية، ثم في عهد الخلفاء الراشدين، وفي العهد الأموي، وفي عهد عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، والعهد المرواني، والعهد العباسي، وإمارة الأشراف الحسنيين 358-654 هــ، ثم مكة في العصر الحديث.
وتحدث الدكتور تنيضب عن الكتابات والنقوش الإسلامية، متناولاً كتابات داخل المدن وفي المواقع الأثرية، كتابات توثيقية للمنشآت المعمارية، الكتابات والنقوش الصخرية.
أما المبحث الثالث فتناول فيه المسجد الحرام وتوسعاته عبر التاريخ، بدأ من التوسعة الأولى في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فالتوسعة الثانية التي كانت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم التوسعة الثالثة التي كانت في عهد عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، والتوسعة الرابعة في خلافة عبدالملك بن مروان، والتوسعة الخامسة في خلافة الوليد بن عبدالملك، والتوسعة السادسة في خلافة أبي جعفر المنصور، والتوسعة السابعة في عهد محمد المهدي، والتوسعة الثامنة في عهد السلطان سليم خان، ثم التوسعة التاسعة في بداية عهد الملك سعود بن عبدالعزيز، والتوسعة العاشرة في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، والتوسعة الحادية عشرة في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه لله-.
ومن المسجد الحرام وتوسعاته، انتقل للحديث عن الكعبة.. البيت الحرام، متناولاً فضائلها، وتاريخ عمارتها التي بلغت عشر مرات، والترميمات التي وقعت لها منذ عمارة قريش.
وأوضح ذرع الكعبة المشرفة، وارتفاعها في عمارة قريش، وما ذكره الأزرقي وابن جماعة في ذلك، كما تناول غسلها، يوم فتح مكة على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أن كسر الأصنام وأزال معالم الشرك.
وتحدث عن كسوة الكعبة، وأورد نبذة عن تاريخ أستارها، وصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الكعبة، ودخوله لها، وثواب دخول الكعبة، وفضل طواف الكعبة، ومقام إبراهيم عليه السلام، والحجر الأسود، والملتزم بباب الكعبة، والركن اليماني، وحجر إسماعيل عليه السلام، والميزاب وإن قريش هي أول من أنشأ الميزاب حينما قامت بتجديد عمارتها، مشيراً إلى أنه تم إهداء الكعبة المشرفة تسع مزاريب كان آخرها فكان في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-.
وتحدث المؤلف عن ماء زمزم وموقع البئر وفضل مائه، كما ذكر «الحطيم» وموضعه بواجهة البيت الحرام ما بين مقام إبراهيم عليه السلام وبين الكعبة المشرفة، وموقع باب الكعبة وارتفاعه عن الأرض من الشاذروان بنحو 222 سم، وأن أول من جعل للكعبة المشرفة باباً هو أنوش بن شيث بن آدم، مورداً اختلاف الروايات التاريخية في ذلك، مشيراً إلى بعض الأبواب التي تم تركيبها وآخرها في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز - رحمه الله -.
كما أوضح موقع «المستجار»، الواقع «ما بين الركن اليماني والباب المسدود في دبر الكعبة»، و»المطاف وهو المساحة التي تحيط بالكعبة المعظمة»، و»المعجن» وهو «حفرة صغيرة كانت موجودة لصق جدار الكعبة المشرفة من الجهة الشرقية بين الركن العراقي وباب الكعبة»، و»الشاذروان» وهو «الوزرة المحيطة بأسفل جدار الكعبة المشرفة من مستوى الطواف».
وفي حديثه عن الصفا والمروة أشار إلى أنها «من شعائر الله سبحانه وتعالى بنص القرآن الكريم (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) الآية 158 سورة البقرة.
وذكر دار مولد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ودار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، كما أورد جبل عمر، والتنعيم، وجبل حراء، وغار حراء، وجبل ثور، والحزورة «وهي الرابية التي وقف عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة»، وذكر «الحميمة» وهي «عين كانت جارية بمر الظهران»، وتناول جبل خندمة، وكدا، وكدى، وجبل ثبير، وجبل أبي قبيس، وجبل قيعقان، وأجياد، والثنية السفلى، والثنية العليا، والحجون، ووادي إبراهيم، وذكر عرفات في كتب الرحالة، وجبل الرحمة، ومسجد الصخيرات الواقع «أسفل جبل الرحمة من الناحية الجنوبية الشرقية يمين الصاعد إلى قمة الجبل».
وأشهر جبال عرفات ومنها جبل سعد، وجبل أم الرضوم، وجبل نمرة، وعرنة، والمزدلفة، ومسجدها، وجبل قزح، ومنى، ومسجدي البيعة والخيف.
وفي المبحث الرابع تحدث عن مكة.. الحرم وحدودها، فيما تحدث في المبحث الخامس عن مكة.. وطرق الحج، مختتماً كتابه بالمبحث السادس الذي ذكر فيه المعالم التاريخية والأثرية في منطقة مكة المكرمة.