إيمان حمود الشمري
هناك مقولة شائعة تقول: «إذا أردت أن تبني وطنًا مزدهرًا، فابدأ ببناء الإنسان.. فالعقول تصنع الحضارات قبل أن تشيدها الأيدي.
لا شك أن العلاقة بين بناء الإنسان والوطن علاقة تكاملية لا تنفصل، فالوطن القوي لا يُبنى بالحجر وحده، وإنما يُبنى بالإنسان الواعي والمؤهل. وكلما استثمرت الدولة في تنمية أفرادها من خلال التعليم، والتدريب، والرعاية الصحية، وغرس القيم، ازداد عطاؤهم، وتعاظمت قدرتهم على الإسهام في نهضة الوطن اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا. وقد لفت انتباهي في الآونة الأخيرة التوسع في طرح برامج الماجستير بالجامعات الحكومية، إلى جانب تسهيل إجراءات القبول وتخفيف الرسوم الدراسية، إذ أصبحت بعض البرامج برسوم رمزية، بينما يُقدَّم بعضها الآخر مجانًا!! خصوصًا إذا تم ربط التخصصات المطروحة باحتياجات المجتمع، فتتحول الرسائل العلمية إلى مشاريع وأفكار تسهم في تطوير القطاعات.
تُعد برامج الماجستير استثمارًا مربحًا في رأس المال البشري، وحافزًا مهمًّا للراغبين في مواصلة تعليمهم، مهما كانت أعمارهم أو مراحلهم المهنية، إذ تؤكد أن التعلم رحلة مستمرة لا يحدها عمر. إضافةً إلى الأثر النفسي والمعرفي والاقتصادي الذي يتركه إتاحة التعليم العالي على الأفراد، فهو يعزز الثقة بالنفس، ويرفع مستوى الوعي والمعرفة، ويفتح آفاقًا جديدة للتطوير المهني والشخصي، كما يمنح المواطن شعورًا حقيقيًّا بأنه شريك في مسيرة التحول والتنمية التي تشهدها المملكة، فالأوطان لا تقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو بنى تحتية فحسب، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل. إذ إن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وهو المحرك الأول للتنمية، ولذلك أصبح مفهوم بناء الإنسان ركيزة أساسية في خطط الدول التي تطمح إلى تحقيق التنمية المستدامة ورفع نموها الاقتصادي.
لم تبنِ السعودية نهضتها من النفط وحده، بل من الإنسان الذي استثمرت في تعليمه، ووسّعت فرص تأهيله، لأنها أدركت أن أغلى ثروة ليست ما يخرج من باطن الأرض، بل ما ينمو في عقول أبنائها، وكل منحة دراسية تُمنح لكفاءة وطنية ليست مجرد مقعد دراسي، بل هي بذرة معرفة تُزرع اليوم لتثمر غدًا نهضةً، لذا حرصت المملكة على امتلاك العقول قبل الموارد لأنه استثمار طويل الأمد، وأعطت المواطن فرصة للنمو والتطور لأنها تؤمن بأن الإنسان المؤهل يصنع الفرق في الأوطان.