د. سطام بن عبدالله آل سعد
رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبعة حمراء كُتب عليها «ترمب 2028»، وقال أمام الحضور إن الولاية الثانية أفضل من الأولى، وإن الثالثة ستكون أفضل من الثانية، قبل أن يستدرك سريعًا: «أنا أمزح فقط»، فضحك الحضور، وتناقلت وسائل الإعلام المقطع، وبدأ الجدل حول ما إذا كانت العبارة دعابة عابرة أم رسالة سياسية محسوبة.
وليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها ترمب فكرة مثيرة في قالب ساخر، ثم يعيد تقديمها لاحقًا بجدية أكبر. ففي عام 2018، علّق على إلغاء الصين الحد الأقصى لفترات الرئاسة، قائلاً إن الرئيس شي جين بينغ أصبح «رئيسًا مدى الحياة»، ثم أضاف: «ربما علينا أن نجرب ذلك يومًا ما».
بدت العبارة حينها أقرب إلى المزاح، لكنها عادت بعد سنوات بصورة أكثر وضوحًا، عندما أكد ترمب في مارس 2025 أنه «لا يمزح» بشأن الولاية الثالثة، وأن هناك طرقًا يمكن بحثها لتحقيقها. ورغم أن الفكرة لم تتحول إلى واقع دستوري، فإن مسارها يكشف أسلوبًا متكررًا لديه: تبدأ الفكرة بنكتة، ثم تتكرر، وتُختبر ردود الفعل حولها، قبل أن تنتقل إلى خطاب سياسي أكثر جدية.
وتحمل مزحة الولاية الثالثة أكثر من دلالة، لعل أولها اختبار ردود الفعل وقياس حجم التأييد الذي قد تحظى به الفكرة داخل الحزب الجمهوري، ومدى استعداد أنصاره للدفاع عنها، وحدود تقبّل الإعلام والمؤسسات السياسية والدستورية لها؛ فطرح فكرة غير مسبوقة أمام الجمهور، حتى بصيغة ساخرة، يتيح لترمب مراقبة الاستجابات وقياس المواقف من دون تقديمها بوصفها مشروعًا سياسيًا رسميًا.
أما الدلالة الثانية، فتتمثل في تطبيع الفكرة تدريجيًا؛ فالأفكار الكبيرة لا تبدأ دائمًا بمشروعات قوانين أو بيانات رسمية، فقد تبدأ بنكتة تتحول إلى سؤال إعلامي، ثم إلى موضوع للنقاش السياسي، وتتكرر حتى تفقد غرابتها الأولى، وكلما تكررت عبارة «الولاية الثالثة» أصبحت جزءًا من الخطاب العام، رغم أن ترمب يدرك أن الدستور الأميركي يمنع انتخاب الرئيس أكثر من مرتين، وأن تغيير هذا النص يحتاج موافقة ثلثي مجلسي الكونغرس وتصديق ثلاثة أرباع الولايات، وهي شروط تجعل تحقيق الفكرة سياسيًا شبه مستحيل في الظروف الحالية، من دون أن تنفي الفائدة السياسية والإعلامية من استمرار طرحها.
أما الدلالة الثالثة فتتصل بمستقبل الحزب الجمهوري؛ فحين يرفع ترمب قبعة تحمل اسمه ورقم 2028، فإنه يرسل رسالة إلى الطامحين لخلافته بعدم التعجل، ويؤكد استمرار حضوره بوصفه الاسم الأقوى داخل الحزب والمرجع القادر على التأثير في اتجاهه وصناعة مرشحه المقبل، حتى إن تعذر عليه الترشح بنفسه، وبذلك يحافظ على ولاء القاعدة الجمهورية ويحد من تشكّل مركز سياسي بديل في وقت مبكر، إذ سيجد كل قيادي جمهوري يفكر في انتخابات 2028 نفسه مضطرًا إلى مراعاة نفوذ ترمب، والسعي إلى دعمه، وتجنب الاصطدام المباشر معه.
أما الدلالة الرابعة فهي إعلامية؛ إذ يستطيع ترمب بجملة قصيرة وقبعة حمراء أن يهيمن على التغطية الصحفية لمناسبة كاملة، فرغم ما قد يتضمنه العشاء من خطابات وقضايا متعددة، تبقى صورة «ترمب 2028» هي الأكثر حضورًا في الذاكرة، وهذا يعكس إحدى أدواته السياسية الأكثر فاعلية، والمتمثلة في صناعة الحدث وفرض موضوعه على الإعلام، بدل انتظار الحدث أو ترك وسائل الإعلام تحدد مسار النقاش.
وحتى شعار القبعة يحمل دلالة سياسية؛ فالحديث عن «إعادة كتابة القواعد» يعزز الصورة التي يقدمها ترمب لأنصاره بوصفه رجلًا يتحدى الأعراف والمؤسسات والحدود التي وضعها السابقون، ورغم أن قدرته على تغيير هذه القواعد فعليًا تظل محدودة بالقيود الدستورية، فإنه يستفيد سياسيًا من الظهور بمظهر القادر على تحديها.
كما تؤدي عبارة «أنا أمزح فقط» وظيفة مهمة؛ إذ تحول دون التعامل مع حديثه بوصفه موقفًا رسميًا، وتمنحه مساحة للرد على من يأخذه بجدية، وفي الوقت نفسه تضمن وصول الرسالة إلى أنصاره، فمن يؤيد الفكرة قد يفهمها بوصفها طموحًا محتملًا، بينما يجد المعارض أمامه إجابة جاهزة: لم تكن سوى مزحة.
لهذا، لا تبدو المسألة إعلانًا جادًا عن الترشح أو دعابة بريئة بالكامل، بل رسالة سياسية مغلفة بالفكاهة، وبالون اختبار أطلقه ترمب لقياس حجم التفاعل مع الفكرة، ومعرفة الكيفية التي سيتعامل بها الأميركيون والعالم مع فكرة بقائه في السلطة بعد عام 2028.