د. سالم بن محمد آل جفشر
لم يعد مستقبل المؤسسات الصحفية يقاس بعدد النسخ المطبوعة ولا بعدد زوار مواقعها الإلكترونية، كما لم يعد نجاح المؤثرين يقاس بعدد المتابعين أو المشاهدات وحدها فقد غير التحول الرقمي قواعد صناعة الإعلام بصورة جذرية وأوجد واقعا جديدا أصبحت فيه صناعة التأثير هي المعيار الحقيقي لقوة الوسيلة الإعلامية وقدرتها على الحضور والاستمرار.
وفي هذا الواقع لم تعد المؤسسات الصحفية التقليدية اللاعب الوحيد في تشكيل الرأي العام كما لم يعد المؤثر مجرد مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي، بل أصبح يمتلك جمهورا واسعا ويشارك في توجيه النقاشات العامة وصناعة الاتجاهات والتأثير في القرارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن ثم فإن اختزال العلاقة بين الصحف والمؤثرين في إطار المنافسة يمثل قراءة لا تنسجم مع طبيعة التحولات التي يشهدها الإعلام العالمي، فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار اليوم لا يتعلق بمن يكسب الجمهور بل بكيفية بناء منظومة إعلامية وطنية توظف إمكانات الجميع لخدمة الوطن وتعزيز تنافسية الإعلام السعودي.
لقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولا استثنائيا في مختلف القطاعات بفضل رؤية المملكة 2030 التي أعادت صياغة مفاهيم التنمية والاقتصاد والاستثمار والابتكار ولم يكن قطاع الإعلام بمنأى عن هذه التحولات إذ انتقل من التركيز على الوسائل إلى التركيز على المحتوى ومن مجرد نقل الخبر إلى صناعة التأثير ومن المنافسة المحلية إلى الحضور الإقليمي والدولي.
وفي ظل هذه المتغيرات تواجه المؤسسات الصحفية تحديا استراتيجيا لا يتعلق بقدرتها على الاستمرار فحسب، بل بقدرتها على إعادة تعريف دورها فالصحيفة التي تأسست لتكون مصدرا موثوقا للمعلومة ومنبرا للرأي وحاضنة للكفاءات الإعلامية مطالبة اليوم بأن تتحول إلى مؤسسة قادرة على إنتاج المحتوى بمختلف أشكاله وإدارته وتسويقه وقياس أثره والمنافسة عليه في بيئة رقمية متغيرة.
وتمتلك الصحافة السعودية رصيدا مهنيا كبيرا يتمثل في الخبرة التحريرية والكوادر المؤهلة والالتزام بأخلاقيات المهنة والثقة التي بنتها لدى المجتمع على مدى عقود وهذه الأصول ليست مجرد إرث تاريخي بل تمثل ميزة تنافسية تتزايد قيمتها في زمن الفوضى المعلوماتية وتسارع تداول الأخبار غير الدقيقة واتساع مساحة المحتوى غير المهني.
وفي المقابل فرض المؤثرون ومشاهير السوشل ميديا أنفسهم بوصفهم أحد أهم مكونات المشهد الإعلامي الحديث فقد نجحوا في بناء مجتمعات رقمية واسعة وأصبحوا يمتلكون قدرة استثنائية على الوصول السريع إلى الجمهور وإنتاج محتوى قريب من المتلقي وسريع التفاعل ومرن في تقديم الرسائل الإعلامية، كما استحوذوا على نسبة متنامية من الإنفاق الإعلاني وأصبحوا شركاء رئيسيين في الحملات التسويقية والتوعوية والمجتمعية.
غير أن كثيرا من المؤثرين وبعض مشاهير السوشيال ميديا ما زالوا يعملون ضمن نماذج فردية تواجه تحديات تتعلق بالاستدامة وإدارة الحقوق والامتثال للأنظمة وبناء العلامة الشخصية وحماية السمعة وتطوير جودة المحتوى وهنا تتقاطع مصالح الصحف والمؤثرين فالصحف تمتلك البنية المؤسسية والخبرة التحريرية والإمكانات الإنتاجية والمظلة القانونية والعلاقات المهنية بينما يمتلك المؤثرون الجمهور والانتشار والحضور الرقمي والقدرة على التفاعل مع المنصات الحديثة لذلك ينبغي أن تبنى العلاقة بين الطرفين على التكامل والشراكة لا على المنافسة.
ومن هذا المنطلق تقوم الرؤية التي أطرحها على إعادة بناء النموذج المؤسسي للصحف السعودية والانتقال بها من مؤسسات صحفية تقليدية إلى شركات إعلامية متعددة المنصات قادرة على المنافسة والاستدامة فالتحول المطلوب ليس تطويرا محدودا في أدوات النشر وإنما انتقال نوعي يعيد تعريف المؤسسة ووظائفها ومصادر دخلها وعلاقتها بالجمهور وصناع المحتوى.
والشركة الإعلامية في العصر الرقمي لا تقاس بما تنشره من أخبار فقط، بل بما تنتجه من محتوى وما تديره من منصات وما تستقطبه من مواهب وما تبنيه من شراكات وما تحققه من أثر اقتصادي وإعلامي وهو نموذج يجمع بين الصحافة والإنتاج المرئي والبودكاست وصناعة المحتوى الرقمي والاستشارات الإعلامية وإدارة الحملات وتنظيم الفعاليات وتحليل البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتطوير المواهب الإعلامية.
كما يفتح هذا النموذج آفاقا اقتصادية جديدة للمؤسسات الصحفية من خلال تنويع مصادر الدخل عبر إنتاج البرامج والمحتوى الرقمي وإدارة الحملات الإعلامية والمواهب وتقديم الاستشارات والتدريب وتنظيم الفعاليات بدلا من الاعتماد على الإعلان التقليدي بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات.
وهذا النموذج لا يكون المؤثر ضيفا على المؤسسة الصحفية ولا متعاونا موسميا بل شريكا استراتيجيا يستفيد من الخبرة المؤسسية والدعم التحريري والإنتاج الاحترافي وإدارة الحقوق وبناء الهوية الإعلامية والتخطيط للمحتوى وفي المقابل تستفيد المؤسسة من حضوره الرقمي واتساع جمهوره وقدرته على الوصول إلى شرائح جديدة وتعزيز وجودها في المنصات التي أصبحت ساحة التأثير الأولى.
ويؤدي استقطاب المؤثرين وصناع المحتوى او كما يسمى مشاهير السوشل ميديا للعمل من خلال هذه الشركات الإعلامية إلى تجويد محتواهم ورفع مستوى احترافيتهم فالمؤسسات الصحفية قادرة على تقديم المراجعة المهنية والتحقق من المعلومات وتدقيق المصادر والمشورة القانونية قبل النشر بما يحمي المؤثر ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي من نشر محتوى مضلل أو معلومات غير دقيقة أو مواد قد تعرضهم للمساءلة القانونية، ويحافظ في الوقت نفسه على ثقة الجمهور وسمعة المؤثر المهنية.
ولا يعني هذا التوجه الحد من استقلالية المؤثر أو التأثير في أسلوبه الإبداعي بل يمثل شراكة مهنية تمنحه بيئة إعلامية متكاملة تساعده على إنتاج محتوى أكثر دقة وموثوقية ومسؤولية. فالمؤثر يملك قوة الوصول إلى الجمهور والمؤسسة الصحفية تمتلك خبرة التحقق والتحرير والالتزام المهني وعندما يجتمع الطرفان داخل شركة إعلامية متكاملة يكون الناتج محتوى أكثر انتشارا وتأثيرا واستدامة.
وبذلك تتحول الشركات الإعلامية التابعة للمؤسسات الصحفية إلى بيوت خبرة تستقطب المؤثرين وصناع المحتوى وتطور قدراتهم وتساعدهم على الموازنة بين سرعة النشر وصحته، وتسهم في بناء محتوى رقمي سعودي يجمع بين الجاذبية والمصداقية والمسؤولية.
إن نجاح هذا النموذج لن ينعكس على المؤسسات الصحفية وحدها بل سيعيد تشكيل الاقتصاد الإعلامي في المملكة ويفتح آفاقا جديدة للاستثمار في صناعة المحتوى ويعزز تنافسية الإعلام السعودي ويدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار والاستدامة والشراكة بين مختلف مكونات القطاع.
وتحويل هذه الرؤية إلى مشروع قابل للتنفيذ يتطلب شراكة تجمع وزارة الإعلام والمؤسسات الصحفية والقطاع الخاص والجامعات وصناع المحتوى إلى جانب وضع حوافز تنظيمية واستثمارية تشجع المؤسسات الصحفية على التحول إلى شركات إعلامية متعددة المنصات وتدعم الاستثمار في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي واستقطاب الكفاءات الوطنية وتنويع مصادر الدخل.
وفي هذا السياق هناك ضرورة لبحث مستقبل الصحافة السعودية وتعزيز استدامتها تبني مشروع وطني نوعي يعيد صياغة نموذج عمل المؤسسات الصحفية ومن هنا يأتي الاقتراح لإطلاق مبادرة وطنية تضع إطارا تنفيذيا لهذا التحول بالتعاون مع المؤسسات الصحفية والقطاع الخاص والجامعات وصناع المحتوى بما يفضي إلى جيل جديد من الشركات الإعلامية السعودية القادرة على المنافسة إقليميا وعالميا.
إن هذه الرؤية تستهدف الحفاظ على المؤسسات الصحفية مع إعادة تمكينها لتقود مرحلة جديدة من صناعة الإعلام تقوم على الابتكار والشراكة والاستدامة فالتحولات الكبرى تقوم على بناء نماذج جديدة أكثر قدرة على المنافسة ومواكبة متطلبات المستقبل.
وإذا كانت المملكة قد نجحت في إعادة بناء العديد من القطاعات الحيوية وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030، فإن قطاع الإعلام يمتلك اليوم الفرصة ذاتها لإعادة تشكيل مستقبله من خلال مشروع وطني طموح يجمع بين المهنية الصحفية والإبداع الرقمي والاستثمار في المحتوى والإنسان والتقنية وإن مستقبل الإعلام السعودي لا يصنع بالاختيار بين الصحف والمؤثرين او مشاهير التواصل الاجتماعي وإنما ببناء شراكة مؤسسية تستثمر نقاط القوة لدى كل طرف فالصحف مؤسسات وطنية تمتلك الخبرة والتراكم المعرفي والكوادر المؤهلة لقيادة التحول الإعلامي، والمؤثرون ليسوا بديلا عنها ولا منافسين لها بل شركاء في بناء اقتصاد إعلامي جديد يقوم على المعرفة والابتكار والمسؤولية المهنية.
ولعل الوقت لم يعد مناسبا لمناقشة ما إذا كانت الصحف قادرة على البقاء بل أصبح السؤال الحقيقي هو كيف يمكن أن تقود المستقبل. والإجابة تبدأ من التحول إلى شركات إعلامية متكاملة تحتضن المؤثرين وصناع المحتوى، وتستثمر في التقنية والابتكار وتبني نموذجا إعلاميا وطنيا يليق بمكانة المملكة العربية السعودية وطموحاتها ويواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان