هيا الدوسري
في أحد اللقاءات النسائية الشعبية، عرّفتني سيدة للحاضرات بقولها: «هذه مذيعة». فابتسمت وصححت المسمى لها بلطف.
لم يكن التصحيح بدافع التفاخر، بل من باب الدقة فالمسمى المهني يختلف، ولكل مجال تعريفه.
لكن ما تلا ذلك كان أكثر إثارة للاهتمام.
قالت إحداهن: «أنتِ تصورين مثل فلانة وفلانة».
أجبتها بأنهما مشهورتان وصانعتا محتوى، أما الإعلام فمجاله أوسع من مجرد التصوير. فالإعلامي قد يكتب مقالًا، أو يجري حوارًا صحفيًا، أو يغطي حدثًا، أو يعد تقريرًا، أو يقدم برنامجًا، وقد لا يكون مشهورًا أصلًا.
لم تبدُ الفكرة مقنعة لهن، فسألن مباشرة عن حساباتي في تيك توك وسناب شات، وكأن الإجابة عن سؤال: «هل أنتِ إعلامية؟» تكمن في عدد المتابعين.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد طلبت مني إحدى السيدات أن أنشر إعلانًا لها، لأنها كانت ترى أن الإعلامية لا بد أن تمارس الإعلانات، وإلا فكيف تكون إعلامية؟
حينها أدركت أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في الصورة التي ترسخت في أذهان كثير من الناس. فقد اختلط مفهوم الإعلام بمفهوم الشهرة، واختلطت مهنة الإعلامي بدور المؤثر الإعلاني، حتى أصبح الإعلان وعدد المتابعين معيارًا للحكم على من يستحق هذا اللقب.
لقد نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة نجوم جدد، وهذا أمر لا خلاف عليه، لكنها في الوقت نفسه أسهمت في ترسيخ تصور جديد للإعلام لدى كثيرين، فأصبح كل من يملك جمهورًا كبيرًا إعلاميًا في نظرهم، بينما يغيب عن أذهانهم الصحفي، أو المحرر، أو المراسل، أو كاتب المقال، لأن أعمالهم لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بما يقدمونه من رسالة ومحتوى.
لا ينتقص هذا من قيمة صناع المحتوى أو المؤثرين، فلكل منهم دوره وجمهوره وتأثيره، لكن المشكلة تبدأ عندما تختفي الحدود بين المهن، فتُمنح الألقاب بناءً على الشهرة، لا على طبيعة العمل.
فليس كل إعلامي مشهورًا، وليس كل مشهور إعلاميًا.
قد يجتمع الوصفان في شخص واحد، لكنه ليس شرطًا. فهناك إعلاميون أمضوا أعمارهم في الصحافة والإذاعة والتلفزيون ووكالات الأنباء، ولم يكونوا نجومًا على منصات التواصل، وفي المقابل هناك مشاهير حققوا حضورًا جماهيريًا واسعًا دون أن يمارسوا العمل الإعلامي بمفهومه المهني.
لقد غيّرت المنصات الرقمية شكل التواصل، لكنها لم تغيّر حقيقة المهن. فالإعلام سيظل مهنة لها أدواتها، وأخلاقياتها، ومسؤولياتها، كما أن صناعة المحتوى ستظل مجالًا قائمًا بذاته، قد يلتقي مع الإعلام في بعض الجوانب، لكنه لا يطابقه.
في نظر بعض الناس، أصبح الإعلام مرادفًا للإعلانات. فإذا لم يجدوا في حساب الإعلامي إعلانًا لمنتج أو تعاونًا مع جهة تجارية، شككوا في كونه إعلاميًا. وكأن قيمة الإعلام تُقاس بما يحققه من التكسب من الإعلانات، لا بما يقدمه من رسالة أو معرفة أو عمل مهني.
ربما كانت مهنة الإعلام من أكثر المهن التي اختلط مفهومها في السنوات الأخيرة، حتى أصبح كثير من الناس يقيسون الإعلام بعدد المتابعين، بينما يُقاس الإعلام الحقيقي بما يقدمه صاحبه من معرفة، وما يوصله من رسالة، وما يتركه من أثر.