د.شريف بن محمد الأتربي
بعد نشر مقالي السابق بعنوان «عندما يضيء المعلم المستقبل»، تلقيت العديد من التعليقات والرسائل من قيادات تربوية، ومشرفين، ومعلمين، وأكاديميين. وأسعدني أن معظمها اتفق على أن الاستثمار في المعلم هو الطريق الأقصر لتحسين جودة التعليم، وأن المملكة قطعت خطوات مهمة في هذا الاتجاه من خلال تطوير منظومة إعداد المعلمين وتطويرهم مهنيًا.
غير أن تلك الحوارات أعادت إلى ذهني سؤالًا أراه نقطة البداية في أي مشروع لتطوير التعليم:
هل يبدأ بناء المعلم من التدريب... أم من حسن الاختيار؟
لا يختلف اثنان على أهمية برامج التطوير المهني التي يقدمها المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، فقد نجح المعهد في بناء منظومة تدريبية متقدمة تقدم برامج نوعية في التخطيط للتدريس، والتصميم التعليمي، وإدارة البيئة الصفية، والتقويم، والتدريس الفعال، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وغيرها من المجالات التي يحتاجها معلم اليوم ومعلم المستقبل.
وهذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا بأن المعلم لا يستطيع مواكبة عالم يتغير كل يوم إلا إذا ظل هو نفسه متعلمًا مدى الحياة، ولذلك فإن الاستثمار في التطوير المهني يعد أحد أهم الاستثمارات في جودة التعليم، لأنه يرفع كفاءة المعلم، ويحدث أدواته، ويعزز ممارساته المهنية.
لكن كلما تأملت هذه البرامج، ازددت يقينًا بأن أثرها سيكون أعظم عندما تبدأ بمن تم اختياره بعناية.
فالتطوير المهني يصقل الموهبة، لكنه لا يخلقها، ويعزز الشغف، لكنه لا يزرعه، ويرفع كفاءة المعلم، لكنه لا يستطيع أن يحول كل من يحمل مؤهلًا أكاديميًا إلى صاحب رسالة تربوية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: كيف نطور المعلم؟ بل أيضًا: كيف نختار المعلم الذي سيحقق أعلى استفادة من هذا التطوير؟
لقد وضعت المملكة إطارًا تنظيميًا مهمًا لمهنة التعليم من خلال اشتراط المؤهل المناسب، واستيفاء المعايير المهنية، والحصول على الرخصة المهنية، وهي أسس تؤكد أن التعليم مهنة لها متطلبات واضحة وليست وظيفة عادية، وهذه خطوة مهمة في بناء منظومة تعليمية عالية الجودة.
غير أن التجارب التعليمية الرائدة في العالم تشير إلى أن التميز يبدأ بخطوة إضافية، وهي التحقق من السمات الشخصية والميول المهنية التي لا تقيسها المؤهلات والاختبارات وحدها، لأنها ترتبط بالقدرة على التأثير في الإنسان قبل القدرة على نقل المعرفة إليه.
ففي فنلندا، يخضع المتقدمون لمهنة التعليم لمقابلات واختبارات تقيس الدافعية، ومهارات التواصل، والقدرة على التفكير، والاستعداد للعمل مع الأطفال والناشئة، ولا يعتمد القبول على التفوق الأكاديمي وحده.
وفي سنغافورة، يُنظر إلى التعليم باعتباره مهنة قيادية، ولذلك يُقيَّم المرشح من حيث شخصيته، وقدرته على القيادة، وذكائه العاطفي، واستعداده للتعلم المستمر، قبل أن يبدأ برنامج إعداده.
أما اليابان، فتولي أهمية كبيرة للقيم والانضباط والمسؤولية الاجتماعية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن شخصية المعلم جزء من المنهج، وأن الطالب يتعلم من سلوك معلمه بقدر ما يتعلم من شرحه.
هذه الدول لم تحقق تميزها لأنها تمتلك برامج تدريبية أفضل فحسب، بل لأنها أحسنت اختيار من سيدخل تلك البرامج.
ولعل المرحلة القادمة تستدعي إثراء منظومة اختيار المعلمين بمعايير نوعية تضاف إلى المعايير الحالية، مثل قياس الدافعية الحقيقية لممارسة التعليم، والذكاء العاطفي، والقدرة على التواصل والإقناع، والاتزان الانفعالي، والمرونة في التعامل مع المتعلمين، والاستعداد للتعلم المستمر، وإجراء مقابلات مهنية مقننة، ودروس تطبيقية، ومحاكاة صفية تكشف قدرة المرشح على التعامل مع المواقف التعليمية الواقعية.
كما أن من المهم ألا يقتصر التعيين على سد الاحتياج، بل أن يمتد إلى تحقيق أفضل مواءمة بين قدرات المعلم وخصائص المرحلة الدراسية، فليس كل معلم يصلح لكل مرحلة عمرية؛ فهناك من يمتلك موهبة استثنائية في التعليم المبكر، وآخر يبدع مع طلاب المرحلة الثانوية، وثالث يتألق مع الموهوبين أو مع الطلاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
إن توجيه المعلم إلى البيئة التعليمية التي تتوافق مع قدراته سيحقق نتائج أفضل للمعلم والطالب والمدرسة معًا.
إن تطبيق مثل هذه المعايير لن يقلل من أهمية برامج التطوير المهني، بل سيضاعف أثرها، فكل ساعة تدريبية تقدم إلى معلم يمتلك الشغف والاستعداد والقدرة على النمو ستكون أكثر تأثيرًا، وأكثر انعكاسًا على تعلم الطلاب.
ويبقى جانب آخر لا يقل أهمية، وهو قياس أثر التطوير المهني.
فالنجاح لا يقاس بعدد البرامج المنفذة، ولا بعدد شهادات الحضور، وإنما بما أحدثته تلك البرامج من تغيير حقيقي داخل غرفة الصف.
كم معلمًا تغيرت ممارساته المهنية؟
كم طالبًا تحسن تعلمه نتيجة لذلك؟
ما المهارات التي انتقلت من قاعة التدريب إلى البيئة الصفية؟
وما حجم هذا الأثر بعد ستة أشهر أو بعد عام؟
إن نشر تقارير دورية تتضمن مؤشرات واضحة لقياس أثر برامج التطوير المهني سيمنح صانع القرار صورة دقيقة عن العائد من الاستثمار، وسيساعد على تطوير البرامج، وتحديد الممارسات الأكثر نجاحًا، وتوجيه الموارد نحو البرامج الأعلى أثرًا، كما سيعزز ثقة المجتمع في الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة للارتقاء بالتعليم.
إن بناء معلم المستقبل ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو منظومة متكاملة تبدأ بحسن الاختيار، ثم بالإعداد الأكاديمي، ثم بالتطوير المهني المستمر، ثم بقياس الأثر والتحسين المستمر.
وعندما تكتمل هذه المنظومة، ستصبح برامج التطوير المهني أكثر تأثيرًا، وسيصبح الاستثمار فيها أكثر كفاءة، وسيكون المعلم أكثر قدرة على أداء رسالته، وسيكون الطالب هو الرابح الأكبر.
فإذا أردنا تعليمًا ينافس أفضل الأنظمة التعليمية في العالم، فعلينا ألا نسأل فقط: كيف ندرب المعلم؟ بل يجب أن نسأل أولًا: كيف نختار الإنسان الذي يستحق أن يقف أمام أبنائنا كل صباح؟
لأن جودة التعليم تبدأ من جودة المعلم، وجودة المعلم تبدأ من حسن اختياره، ثم من الاستثمار المستمر في تطويره، وقياس أثر هذا التطوير على من صنع التعليم من أجلهم... أبناء الوطن وبناته.