د. بندر خلف الحارثي
في إحدى الندوات الأكاديمية تم طرح سؤال على أحد رؤساء الجامعات العالمية عن أهم صفات من يقود جامعة. لم يتحدث عن التصنيفات الدولية، ولا عن حجم الميزانية، ولا عن عدد الكليات أو المباني الحديثة، بل أجاب بكلماتٍ قليلة تحمل معاني كبيرة: «المسؤولية.. ثم الأمانة». وأضاف أن كل قرار تتخذه قيادة الجامعة سيمتد أثره إلى آلاف الطلبة، وسيؤثر في مستقبلهم، وفي المجتمع الذي سيخدمونه بعد التخرج.
قد تختلف الجامعات في أنظمتها، وثقافاتها، وإمكاناتها، لكن هذه الحقيقة تكاد تكون محل اتفاق بين المؤسسات الأكاديمية الرائدة في العالم؛ فقيادة الجامعة ليست إدارةً للمرافق أو تنفيذًا للوائح فحسب، وإنما مسؤولية عن صناعة الإنسان، وأمانة في إعداد الكفاءات التي سيُبنى بها مستقبل الأوطان.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز القيادة الجامعية مفهوم الإدارة التقليدية لتصبح رسالة وطنية وأخلاقية. فالجامعة ليست مؤسسة تمنح الشهادات، بل مصنع للعقول، وحاضنة للمواهب، ومنصة لإعداد رأس المال البشري الذي تُعوّل عليه الدول في تحقيق نهضتها. ولهذا فإن جودة المخرج الجامعي لا تبدأ من قاعة المحاضرات، بل تبدأ من ضمير القيادة، ومن إحساسها بأن كل قرار أكاديمي أو إداري هو أمانة ستنعكس آثارها على الطالب، وعلى سوق العمل، وعلى مستقبل الوطن.
لقد وضعت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 الإنسان في قلب التنمية، وجعلت الاستثمار في رأس المال البشري أحد أهم مرتكزاتها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية المستدامة لا تُبنى بالمشروعات وحدها، وإنما بالكفاءات التي تديرها، والعقول التي تطورها، والقيادات التي تؤمن برسالتها. ومن هنا أصبحت الجامعات شريكًا استراتيجيًا في تحقيق الرؤية، ولم تعد مؤسسات تمنح الشهادات، بل مؤسسات مسؤولة عن إعداد أجيال قادرة على المنافسة عالميًا، والإبداع، والابتكار، وقيادة الاقتصاد الوطني.
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه الجامعة للوطن ليس مبنى حديثًا، ولا مركزًا بحثيًا جديدًا، ولا تصنيفًا دوليًا متقدمًا، وإنما خريج يمتلك العلم، والمهارة، والقيم، والقدرة على التكيف مع متغيرات المستقبل. فالتصنيفات قد ترتفع أو تنخفض، أما جودة الإنسان الذي تخرجه الجامعة فهي الاستثمار الذي يبقى أثره لعقود.
ومن هنا تبدأ مسؤولية القيادة الجامعية. فالقائد الجامعي الذي يمتلك الحس بالمسؤولية لا ينظر إلى الطالب باعتباره رقمًا في إحصائية القبول أو التخرج، وإنما يرى فيه طبيبًا سيعالج المرضى، ومهندسًا سيبني المدن، ومعلمًا سيُربي الأجيال، ورائد أعمال سيخلق الوظائف، وباحثًا سيقود الابتكار. ولذلك فإن أي قرار أكاديمي أو إداري لا يراعي جودة هذا الإنسان هو قرار يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله.
إن الحس القيادي الحقيقي يظهر عندما تسأل القيادة نفسها كل صباح: هل البرامج الأكاديمية التي نقدمها اليوم ستقود أبناءنا إلى وظائف الغد؟ وهل المهارات التي نُعلّمها هي ذاتها التي يبحث عنها سوق العمل؟ وهل الطالب الذي يتخرج من جامعتنا قادر على المنافسة محليًا وإقليميًا وعالميًا؟ أم أننا ما زلنا نُخرّج للماضي بينما العالم يتجه نحو المستقبل؟
لقد تغيرت معايير النجاح. فلم يعد سوق العمل يبحث عن حامل الشهادة فقط، بل عن صاحب المهارة، والمبتكر، والقادر على التعلم المستمر، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، واستخدام التقنيات الحديثة، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. ولذلك فإن الجامعة التي لا تُراجع برامجها بصورة مستمرة، ولا تستمع إلى احتياجات القطاعات المختلفة، تُخاطر بخلق فجوة بين مخرجاتها ومتطلبات التنمية.
ومن هنا فإن الأمانة التي تحملها القيادة الجامعية لا تتمثل في الحفاظ على اللوائح والإجراءات فقط، بل في الجرأة على التطوير، والشجاعة في اتخاذ القرارات التي ترفع جودة التعليم حتى وإن كانت صعبة. فالأمانة تعني أن تُغلق برنامجًا لم يعد يخدم سوق العمل، وأن تستحدث تخصصًا يحتاجه الوطن، وأن تعيد بناء المناهج قبل أن يفرض الواقع ذلك، وأن تجعل الطالب محور كل قرار، لا مجرد متلقٍ للعملية التعليمية.
كما أن الأمانة تقتضي أن يكون عضو هيئة التدريس شريكًا في صناعة التميز، وأن يحصل على التدريب والدعم والتمكين، لأن جودة الأستاذ هي الطريق الأقصر إلى جودة الطالب. فالجامعات العريقة لم تصل إلى مكانتها بمبانيها، وإنما بقياداتها التي آمنت بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان.
وفي ظل رؤية المملكة 2030، أصبحت مؤشرات النجاح الجامعي أكثر وضوحًا؛ فلم يعد كافيًا أن ترتفع أعداد الخريجين، بل الأهم أن ترتفع نسبة توظيفهم، وأن تتوافق تخصصاتهم مع احتياجات الاقتصاد الوطني، وأن يكونوا قادرين على الابتكار وريادة الأعمال، وأن يسهموا في تنويع الاقتصاد وبناء مجتمع المعرفة. وهذه المؤشرات لا تتحقق بالصدفة، وإنما بقيادة تمتلك رؤية، وتتابع الأداء، وتقيس الأثر، وتراجع النتائج باستمرار.
إن الجامعة التي تنجح في بناء شراكات حقيقية مع القطاعين العام والخاص، وتفتح أبوابها للممارسين والخبراء، وتربط التدريب بالممارسة، والبحث العلمي باحتياجات المجتمع، هي الجامعة التي تؤدي رسالتها الوطنية كما ينبغي. أما الجامعة التي تنغلق على ذاتها، وتكتفي بتكرار ما اعتادت عليه، فإنها تُفوّت على الوطن فرصًا كبيرة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية.
ولا ينبغي أن تنشغل القيادات الجامعية بالمظاهر والمؤشرات الشكلية على حساب الرسالة الأساسية. فالمباني الحديثة، والتقنيات المتقدمة، والتصنيفات الدولية، جميعها أدوات مهمة، لكنها تفقد قيمتها إذا لم تنعكس على جودة الخريج، وعلى فرصه في سوق العمل، وعلى قدرته في الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة.
إن القيادة الجامعية التي تمتلك الحس بالمسؤولية تدرك أن كل خريج ناجح هو إنجاز للوطن، وكل خريج غير مؤهل هو مسؤولية يجب الوقوف عندها. وهي تعلم أن نجاح الجامعة الحقيقي لا يُقاس بعدد الاحتفالات ولا بحجم الإنجازات الإعلامية، وإنما يُقاس بعدد الخريجين الذين يصنعون الفرق في مؤسساتهم، ويقودون الابتكار، ويسهمون في تحقيق التنمية المستدامة.
وفي الختام، فإن قيادة الجامعة ليست امتيازًا إداريًا، وإنما عهد ومسؤولية وأمانة. وهي رسالة تتطلب ضميرًا حيًا قبل أن تتطلب صلاحيات واسعة، ورؤية بعيدة قبل أن تتطلب خططًا تشغيلية. وعندما يجتمع الحس القيادي مع المسؤولية، وتُؤدى الأمانة بإخلاص، تصبح الجامعة مصنعًا للكفاءات، وشريكًا حقيقيًا في تحقيق رؤية المملكة 2030، ومنارةً تصنع المستقبل قبل أن تمنح الشهادات.
فالجامعات لا تُخلّدها مبانيها، ولا تصنع مكانتها تصنيفاتها، وإنما يخلّدها خريجون يحملون علمًا نافعًا، ومهارةً راسخة، وقيمًا أصيلة، ويثبتون في ميادين العمل أن وراءهم قيادةً جامعية أدركت أن المسؤولية أمانة، وأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه للوطن.
** **
- كاتب وأكاديمي