د. عبدالرحمن بن عبدالله العبدالقادر
“ليست القوانين مرآة للحاضر فقط، بل هي الجسر الذي تعبر عليه الأمم نحو المستقبل.”
هذه الفكرة، التي دارت حولها كتابات كبار فلاسفة القانون والسياسة، تمثل المدخل الأنسب لقراءة نظام التعليم العام في المملكة العربية السعودية.
فالأنظمة الكبرى لا تُقاس بعدد موادها، ولا بحجم اللوائح التي تصدر عنها، وإنما بما تعكسه من رؤية للدولة، وبما تؤسس له من استقرار مؤسسي يمتد أثره لعقود. ومن هنا، فإن نظام التعليم العام الذي صدر بأمر ملكي بعد ظهر الجمعة الحادي عشر من صفر 1448 هـ ليس مجرد تنظيم جديد لشؤون المدارس، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة في التفكير حول التعليم، بوصفه مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا، لا قطاعًا خدميًا فحسب.
شهدت وزارة التعليم خلال الأعوام الأخيرة مسارًا متدرجًا في إعادة بناء منظومتها الإدارية والتنظيمية. كان هذا المسار أقل ضجيجًا من بعض المبادرات، لكنه أكثر تأثيرًا واستدامة؛ لأنه انصرف إلى بناء القواعد التي تقوم عليها المؤسسة نفسها: الحوكمة، ووضوح الاختصاصات، وإعادة تنظيم الإجراءات، ورفع كفاءة الأداء، وتوسيع دائرة الشراكات الحكومية، وربط التخطيط بالتنفيذ والتقويم.
وقد قاد معالي وزير التعليم الاستاذ يوسف البنيان هذا التحول بمنهج يقوم على العمل المؤسسي، حيث اتجهت الوزارة إلى ترسيخ ثقافة التنظيم، وتطوير اللوائح، وإعادة هيكلة كثير من الممارسات الإدارية، وإحلال المنهجية المؤسسية محل الاجتهادات الفردية. وهذه المقاربة تتسق مع النهج الذي تبنته حكومة مولاي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد في مختلف قطاعاتها خلال السنوات الأخيرة، والقائم على أن التنمية المستدامة لا تحقق بالمبادرات وحدها، وإنما ببناء مؤسسات قوية تحكمها أنظمة واضحة، وتعمل وفق أدوار محددة، وتخضع للمساءلة والقياس.
ومن يقرأ نظام التعليم العام يلاحظ أن المشرّع لم ينشغل بالتفاصيل التشغيلية - التي أسندت لشركة تطوير القابضة باعتبارها الذراع التنفيذي للعملية التعليمية - بقدر ما اهتم بإعادة رسم البنية الحاكمة للتعليم. فالمجلس الذي أنشأه النظام ليس مجرد جهة تنسيقية، بل منصة وطنية تجمع وزارات وهيئات تمثل الاقتصاد، والثقافة، والصحة، والرياضة، والاستثمار، والموارد البشرية، والتقويم، في اعتراف واضح بأن التعليم لم يعد مسؤولية وزارة واحدة، بل أصبح مسؤولية دولة بأكملها.
وهذه الرؤية تنسجم مع ما توصلت إليه التجارب الدولية الناجحة؛ فالدول التي حققت قفزات نوعية في التعليم لم تفعل ذلك عبر تطوير المناهج وحدها، وإنما عبر بناء منظومات حوكمة تجعل القرار التعليمي نتاجًا للتكامل بين مختلف القطاعات، وتربط المدرسة بالاقتصاد، والجامعة بسوق العمل، والتعليم بالتنمية الوطنية.
ولعل أكثر ما يميز النظام أنه نجح في تجاوز ثنائية ظلت تشغل كثيرًا من السياسات التعليمية: هل الأولوية للمحافظة على الهوية أم للاستعداد للمستقبل؟ فجاء الجواب في مواد النظام نفسها، التي جعلت العقيدة الإسلامية، واللغة العربية، والهوية الوطنية، والانتماء للوطن، ثوابت لا تقبل المساومة، وفي الوقت ذاته أكدت أهمية الابتكار، والبحث العلمي، والتقنيات الناشئة، والتفكير الناقد، والتعلم مدى الحياة، والمهارات العالمية. وهذه ليست مساومة بين الأصالة والمعاصرة، بل صياغة ذكية لعلاقة تكامل بينهما.
كما أن النظام يعكس تحولًا في فهم العدالة التعليمية؛ فلم يعد ينظر إلى الطالب باعتباره متلقيًا للمعرفة فحسب، وإنما إنسانًا له حقوق، واحتياجات، ومسارات مختلفة للنمو والتعلم. ولذلك توسع في تنظيم الطفولة المبكرة، والتعليم المستمر، والتعليم الإلكتروني، ورعاية الموهوبين، ودمج ذوي الإعاقة، والمسارات المتخصصة، وهو ما يجعل المنظومة أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة لاختلاف القدرات والظروف.
وفي الوقت نفسه، لم يغفل النظام مكانة المعلم، فاعتبره شريكًا في التطوير، وأكد حقوقه المهنية، ومسؤولياته الأخلاقية، وفرص تأهيله المستمر. فكل إصلاح تعليمي يبدأ من المعلم، وكل استثمار في جودة التعليم يمر أولًا عبر الاستثمار في جودة من يقف أمام الطلاب.
ومن الجوانب التي تستحق الإشادة أيضًا أن النظام لم ينظر إلى القطاع الخاص بوصفه منافسًا للتعليم الحكومي، ولا مجرد مستثمر في مجال التعليم، بل شريكًا في تحقيق الأهداف الوطنية، ضمن إطار واضح من الجودة، والاعتماد، والرقابة، وحماية حقوق الطلاب. وهذا يعكس نضجًا في إدارة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويعزز تنوع الخيارات التعليمية دون الإخلال بمستوى الجودة.
إن القيمة الحقيقية لهذا النظام لا تكمن في معالجة مشكلات الحاضر فحسب، بل في تأسيسه لبيئة تشريعية مستقرة تستطيع استيعاب المتغيرات المستقبلية. فالتحولات التقنية، والذكاء الاصطناعي، وتغير طبيعة الوظائف، وتسارع المعرفة، كلها تفرض على التعليم أن يكون أكثر مرونة، وأكثر قدرة على التكيف، وأكثر استعدادًا للمراجعة المستمرة، وهو ما يتيحه وجود إطار نظامي متكامل.
لقد اختارت المملكة، في ظل رؤية 2030، أن تجعل بناء الإنسان محور التنمية، وأن تجعل التعليم أحد أهم أدوات هذا البناء. ونظام التعليم العام يمثل إحدى الركائز التشريعية لهذا التوجه؛ لأنه لا يكتفي بتنظيم المؤسسات التعليمية، بل يعيد صياغة العلاقة بين التعليم والدولة، وبين المدرسة والمجتمع، وبين الحاضر والمستقبل.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن هذا النظام أنه يعكس ثقة الدولة بمؤسساتها. فالدول الواثقة لا تدير قطاعاتها بالقرارات المؤقتة، وإنما تبنيه على تشريعات مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وشراكات واسعة، ورؤية بعيدة المدى. والتعليم السعودي اليوم يسير في هذا الاتجاه، مستندًا على هوية راسخة، ومنفتحًا على العالم، ومؤمنًا بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا تنفد عوائده.