د. إبراهيم بن جلال فضلون
«التعليم هو أقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير العالم» اطلقها نيلسون مانديلا. وبين كل قرار سيادي وأثره الفعلي على الأرض، تبقى المسافة الحقيقية هي التي تُقاس بالأرقام لا بالشعارات. ففي 10 صفر 1448هـ، الموافق 24 يوليو 2026م، وقّع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مرسومًا ملكيًا بالموافقة على نظام التعليم العام، ليضع بذلك حجر الأساس لمرحلة جديدة من إدارة أضخم قطاع خدمي في المملكة من حيث عدد المستفيدين، وأكثرها حساسية من حيث الأثر على مستقبل الأجيال. فهذا النظام، الذي رفع بمناسبته وزير التعليم يوسف بن عبدالله البنيان الشكر والامتنان لخادم الحرمين الشريفين ولولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم يأتِ استجابة لحاجة إدارية عابرة، بل جاء تتويجًا لمسار طويل بدأته رؤية السعودية 2030 حين وضعت الإنسان في قلب معادلة التنمية، وقرّرت أن الثروة الحقيقية لأي أمة لا تكمن فيما تحت أرضها، بل فيما بين عقول أبنائها وبناتها.
حين تتكلم الأرقام والهمة
بلغت مخصصات قطاع التعليم في ميزانية عام 2026 نحو 202 مليار ريال، من إجمالي إنفاق عام بلغ 1312.8 مليار ريال، خُصص منها 30 مليار ريال للنفقات التشغيلية وحدها، وأكثر من 4 مليارات ريال للابتعاث الخارجي، وأكثر من 4 مليارات ريال لاكتشاف الموهوبين ورعايتهم، وما يزيد على 2.5 مليار ريال لإنشاء المدارس وتأهيلها، إضافة إلى أكثر من 2 مليار ريال للبنية الرقمية، و730 مليون ريال لتطوير المناهج. هذه الأرقام وحدها تكفي لتوضيح حجم الرهان: (منظومة تخدم أكثر من 6.72 مليون طالب وطالبة، يشرف عليهم أكثر من 513 ألف معلم ومعلمة، موزعين على أكثر من 36 ألف مدرسة تمتد على طول الجغرافيا السعودية وعرضها).
غير أن الإنفاق وحده لم يكن كافيًا لتحقيق القفزة النوعية المطلوبة. ففي اختبار «بيزا» الدولي لعام 2022، الذي يقيس تحصيل طلاب الخامسة عشرة في الرياضيات والقراءة والعلوم، سجّل الطلاب السعوديون 389 نقطة في الرياضيات، مقابل متوسط 472 نقطة لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبفارق يتجاوز 180 نقطة عن سنغافورة المتصدرة عالميًا بـ575 نقطة. وهي الفجوة، التي تعادل وفق مقاييس بيزا نحو سنتين إلى ثلاث سنوات دراسية كاملة، والتي يُفترض أن يبدأ نظام التعليم العام الجديد في ردمها، ليس بمزيد من الإنفاق فقط، بل بإعادة صياغة قواعد الحوكمة والمشاركة والاستثمار.
من مركزية القرار إلى شراكة الأداء
يمنح النظام الجديد وزارة التعليم صلاحيات لم تكن متاحة من قبل بالوضوح نفسه: (تقديم دعم مالي وعيني وتطويري للمؤسسات التعليمية الخاصة بالتنسيق مع وزارة المالية واللجنة الوطنية للحوافز، وإسناد إدارة وتشغيل مؤسسات تعليمية حكومية للقطاعين الخاص وغير الربحي، والسماح بإسناد أراضٍ ومبانٍ تعليمية حكومية لمستثمرين من بينهم مستثمرون أجانب لتشغيلها أو تطويرها أو استثمارها).
إنه تحول في الفلسفة ذاتها: (من دولة تدير كل مدرسة بنفسها، إلى دولة تضع القواعد وتراقب الجودة وتفتح الباب أمام من يستطيع أن يضيف قيمة حقيقية). ولضمان ألا يتحول هذا الانفتاح إلى فوضى تنظيمية، ألزم النظام الوزارة بالرد على طلبات التراخيص خلال 30 يومًا فقط، مع إلزامها بتسبيب أي قرار رفض ومنح المستثمر حق التظلم وفق الأنظمة ذات العلاقة، في خطوة تقارب بها المملكة معايير الشفافية المعتمدة في أكثر بيئات الاستثمار جذبًا حول العالم. كما نظّم النظام الرسوم الدراسية عبر معايير مركزية تعتمدها وزارة التعليم ويقرّها مجلس شؤون التعليم العام، بما يحمي أولياء الأمور من التقلبات العشوائية، ويمنح المستثمر في الوقت نفسه وضوحًا في نموذج العائد على استثماره.
القطاع الخاص: من الهامش إلى الشراكة
لا تزال نسبة الطلاب في التعليم الأهلي بالمملكة عند نحو 17.2 % من إجمالي الطلاب، وهي نسبة أعلى من هدف 15 % الذي وضعه برنامج التحول الوطني قبل سنوات، لكنها ما تزال بعيدة عن سقف الـ25 % الذي تطمح إليه الوزارة ضمن رؤية 2030. وبحسب تقديرات شركة «كوليرز» العقارية الدولية، من المتوقع أن يرتفع الطلب على مقاعد التعليم الخاص في المملكة إلى نحو 1.1 مليون طالب بحلول عام 2030، وهو ما يستلزم إنشاء نحو 100 مدرسة إضافية خلال الفترة نفسها مقارنة بعشر مدارس فقط كانت تُضاف سنويًا قبل بضع سنوات. النظام الجديد، بسماحه المباشر للاستثمار الأجنبي وبدعمه الحكومي الصريح، يضع القواعد التي يحتاجها هذا النمو المرتقب لكي يتحول من توقّع نظري إلى واقع ملموس على الأرض.
المملكة وفلسفة التعليم غداً
إن المملكة بمراحلها الثلاثية بين الأمس واليوم وغدًا توثّق تحوّلًا بنيويًا في فلسفة إدارة التعليم ذاتها، فالانتقال من «تعدد الجهات» إلى «نظام موحد» ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو الشرط الذي بُنيت عليه بقية المؤشرات، فبدون حوكمة موحدة، ما كان ممكنًا فتح الباب للاستثمار الأجنبي أو تحديد مهلة 30 يومًا ملزمة للترخيص، كما أننا نرى أيضًا فجوة الطموح الحقيقية بوضوح رقمي في القطاع الخاص الذي ارتفع من 15 % إلى 17.2 %، لكنه لا يزال دون هدف 25 %، وهو ما يمنح القارئ مقياسًا موضوعيًا لقياس نجاح النظام لاحقًا لا مجرد وعد عام. أما قفزة الطلب المتوقعة إلى 1.1 مليون طالب ومئة مدرسة إضافية، فتحوّل النقاش من «هل سينجح النظام؟» إلى «هل ستُبنى المدارس بالسرعة الكافية لمواكبة الطلب؟»، وهو سؤال أكثر إلحاحًا وواقعية.
أين تقف المملكة عالميًا؟
إنها المكانة السعودية في مواجهة مباشرة مع أعلى معيار عالمي (سنغافورة) وأقرب معيار مؤسسي (متوسط OECD)، يمكن صياغة الفجوة كأرقام موجبة (+83 و+186) بدل عرضها كنسب مئوية مجردة تجعلها ملموسة وقابلة للتتبع سنويًا، وتحوّل الرقمين إلى معيار محاسبة صريح لنجاح النظام الجديد في الدورة القادمة لاختبار بيزا 2025. كما أن اختيار الرياضيات تحديدًا -بصفتها المجال المحوري لدورة 2022- يمنح المقارنة مصداقية منهجية بدل الانتقائية. وقد يقول قائل إن الفارق بين المملكة وسنغافورة في نتائج بيزا لا يُختصر بمرسوم واحد مهما بلغت طموحاته، وهذا قول صحيح جزئيًا: فسنغافورة بَنت تفوقها على عقود من انتقاء المعلمين وتدريبهم وتقييمهم المستمر، لا على البنية التنظيمية وحدها. غير أن النظام الجديد يعالج تحديدًا ما كان يعيق المملكة عن الاقتراب من هذا النموذج: غياب الأطر التي تسمح بدخول خبرات تعليمية عالمية، وتعدد النماذج التعليمية، ومرونة الإدارة والتمويل. فتحرير الحوكمة شرط سابق للتفوق لا بديل عنه، والمرسوم الأخير يضع هذا الشرط موضع التنفيذ الفعلي بعد سنوات من النقاش النظري حوله.
حين يصبح المُعلم هو المعيار
تُجمع أغلب الدراسات التربوية الدولية على أن جودة أي نظام تعليمي لا تتجاوز أبدًا جودة معلميه، وهذه حقيقة لا يعوّضها أي إصلاح تنظيمي مهما بلغت جرأته. ومن هنا، فإن النظام الجديد إذ يفتح الباب أمام نماذج تعليمية متعددة المحتوى والأسلوب والإدارة، يضع على عاتق وزارة التعليم مسؤولية موازية: بناء منظومة تقييم صارمة تربط الترخيص والتجديد بمؤشرات أداء فعلية لا بمعايير شكلية، وربط الدعم المالي والعيني الذي يمنحه النظام للمؤسسات الخاصة بمخرجات تعليمية قابلة للقياس. فبين أكثر من 513 ألف معلم ومعلمة يشكلون العمود الفقري للمنظومة، تبقى برامج التطوير المهني المستمر، وأنظمة الحوافز المرتبطة بالأداء، هي الحلقة الأصعب في أي إصلاح تعليمي حقيقي، وهي الحلقة التي ستحدد إن كانت الأرقام المرصودة للبنية الرقمية وتأهيل المدارس ستتحول إلى تحصيل علمي فعلي، أم ستبقى إنفاقًا لا يقابله أثر يُذكر في نتائج الاختبارات الدولية المقبلة.
بين حماية الحقوق والانفتاح على الاستثمار
من العدل الإشارة إلى أن النظام لم يجعل الانفتاح الاستثماري غاية في ذاته، بل وازنه بأحكام صريحة لحماية حقوق الطلبة والمعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، مع اهتمام خاص بمرحلة الطفولة المبكرة التي تُبنى فيها الشخصية والمهارات الأساسية للطفل. وقد رفعت الوزارة مؤخرًا نسبة قبول الطلاب ذوي الإعاقة في المدارس الأهلية والعالمية إلى 40 %، في خطوة تعكس توجهًا فعليًا نحو الدمج الشامل لا الدمج الشكلي، كما خصّ النظام الطلاب الموهوبين برعاية مختلفة عن أقرانهم تصون قدراتهم وتنميها. هذا التوازن، بين تحرير السوق وصون الحقوق، هو ما يمنح النظام مصداقيته الأخلاقية، ويمنع تحويل التعليم إلى سلعة تُدار بمنطق الربح وحده دون اعتبار لرسالته الأصلية.
رهان لا يحتمل التأجيل
ووزارة التعليم أعلنت أنها تعمل حاليًا، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، على استكمال اللوائح التنفيذية التي ستترجم هذه المواد النظامية إلى إجراءات فعلية ملموسة، وهي المرحلة التي ستحدد فعليًا ما إذا كانت الفجوة مع سنغافورة ستُقاس بعد عشر سنوات بعشرات النقاط لا بمئاتها، وما إذا كانت مقاعد التعليم الخاص المليون المرتقبة ستتحقق بالفعل بحلول 2030 أو تبقى رقمًا في تقرير.
وقفة: قال مالكوم إكس ذات مرة إن التعليم جواز السفر إلى المستقبل. والمملكة، بهذا النظام، لا تكتفي بإصدار جواز السفر لأبنائها وبناتها، بل تعيد بناء المطار الذي يقلع منه هذا الجيل نحو الاقتصاد المعرفي الذي رسمته رؤية 2030. فالرهان الحقيقي لم يعد على النفط وحده، بل على كل طالب وطالبة في تلك المدارس التي تجاوز عددها 36 ألف مدرسة، وعلى قدرة النظام الجديد على تحويلهم، خلال السنوات المقبلة، إلى رأس المال البشري الذي وعدت المملكة العالم بأن تصنعه.