«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يكن سوق ربوع قريش في الأطاولة مجرد مساحة للبيع والشراء، بل كان، على امتداد أكثر من ستة قرون، مكانًا تشكلت فيه ذاكرة المجتمع؛ تلتقي فيه التجارة بالأخبار، والعادات بالحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية بحركة الناس بين القرى والمناطق.
ومن هذه الزاوية، جاءت الأمسية الثقافية «سوق ربوع قريش: ذاكرة المكان وروح الزمان»، التي نظمها متحف ناصر الفيان ضمن فعاليات صيف الباحة، وقدمها الدكتور عبدالرحمن محمد العبيدي، الباحث والمهتم بالتاريخ المحلي والموروث الثقافي، وأدارها الإعلامي الأستاذ خير الله سعيد زربان، وسط حضور كثيف من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالموروث الشعبي.
وسعى العبيدي إلى قراءة السوق بوصفه أكثر من معلم تاريخي؛ باعتباره ذاكرة اجتماعية مفتوحة تختزن تفاصيل الحياة في الأطاولة، وما ارتبط بها من حركة تجارية، وعادات وتقاليد، وأعراف، وعلاقات بين الناس.
تناولت الأمسية عددًا من المحاور التاريخية والثقافية المرتبطة بالسوق، من أبرزها الشدادات والعادات والتقاليد، إلى جانب القضايا والمشكلات التي شهدها سوق ربوع قريش عبر تاريخه الممتد لأكثر من ستة قرون، مسلطة الضوء على مكانته التاريخية ودوره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المنطقة.
في تاريخ الأسواق القديمة، لا تُقاس أهمية المكان بما كان يُباع فيه فقط، بل بما كان يحدث حول البيع والشراء. وسوق ربوع قريش كان موعدًا تتقاطع فيه حركة الناس مع حركة الذاكرة؛ تُتداول فيه السلع والأخبار، وتتشكّل فيه العلاقات، وتنتقل فيه المعرفة، وتُحفظ تفاصيل من الحياة اليومية.
ولهذا، فإن قيمته التراثية لا تنبع من قدمه وحده، بل من الوظائف التي أداها داخل المجتمع؛ فلم يكن مكانًا يقصده الناس لقضاء حاجاتهم ثم يغادرونه، بل فضاءً تُصنع فيه العلاقات، وتتداول فيه الأخبار، وتلتقي فيه التجارة بالحياة الاجتماعية والثقافية.
وقد أعادت الفعاليات التراثية تقديم جوانب من حياة السوق القديمة، من البناء بالحجر والحرث والدياس والتعليم، إلى الدكاكين القديمة والأسر المنتجة، في محاولة لاستعادة المشهد الاجتماعي والاقتصادي الذي كان جزءًا من هوية الأطاولة وذاكرتها.
وبعد نحو أربعة عقود من التراجع، عادت الحياة إلى سوق ربوع قريش ضمن جهود هدفت إلى إحياء قرية الأطاولة التراثية وإعادة تقديم السوق بوصفه أحد معالم الذاكرة المحلية، من خلال فعاليات ومبادرات أسهمت في استعادة مظاهر من الحياة القديمة، وربط الأجيال الجديدة بموروث المكان.
وتتجاوز أهمية هذه العودة إحياء المباني أو إعادة عرض الأدوات القديمة؛ إذ تمنح السوق فرصة لاستعادة وظيفته الرمزية بوصفه مكانًا تتقاطع فيه الذاكرة مع الحاضر، ويصبح فيه التراث قابلًا للقراءة والتجربة، لا مجرد مادة محفوظة في الصور والكتب.
تكتسب مثل هذه الأمسيات أهميتها من أن توثيق الأسواق القديمة لا يعني حفظ تاريخها الزمني فقط، بل استعادة ما صنعته في حياة الناس من علاقات وممارسات وذاكرة مشتركة.
فوراء كل سوق قديم تاريخ اجتماعي لا تختصره المباني؛ أسماء الباعة، وطرق الوصول، وأصناف السلع، ومواسم الحركة، والعادات التي رافقت البيع والشراء، والقصص التي بقيت في ذاكرة الأهالي.
وفي هذا السياق، أسهمت مداخلات الحضور في إثراء النقاش وتعميق المعرفة بالأبعاد التاريخية والثقافية لسوق ربوع قريش، مؤكدة أن حفظ الموروث لا يبدأ من الحجر وحده، بل من الرواية التي تمنح الحجر معناه.
وقد اختُتمت الأمسية وسط تفاعل واسع من الحضور، الذين وسّعوا بمداخلاتهم النقاش حول تاريخ سوق ربوع قريش ودوره في حياة الأطاولة، في مشهد عكس اهتمام المجتمع المحلي بتوثيق الموروث والمحافظة على الذاكرة التاريخية للمكان والزمان.
وبدا أن استعادة السوق لا تعني العودة إلى الماضي بقدر ما تعني فهمه؛ فالأماكن التراثية لا تكتسب قيمتها من عمرها وحده، بل من قدرتها على كشف الطريقة التي عاش بها الناس، وتواصلوا، وتبادلوا المنافع، وصنعوا علاقاتهم وذاكرتهم.
وهكذا، يبدو سوق ربوع قريش أكثر من سوق؛ إنه ذاكرة اجتماعية مفتوحة، وموعد كانت تلتقي فيه التجارة بالذاكرة، وتتحول فيه الأطاولة إلى مركز للحركة واللقاء وتبادل السلع والأخبار والعهود.
وفي استعادته، لا يعود الماضي صورة جامدة، بل يصبح سؤالًا مفتوحًا عن الإنسان والمكان: كيف يمكن لذاكرة عاشت أكثر من ستة قرون أن تستعيد حضورها في الحاضر، دون أن تفقد روح الزمان؟.