فهد المطيويع
كالعادة، ما إن يتحرك الهلال في سوق الانتقالات حتى تعلن بعض الأصوات حالة الطوارئ، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة طوال العام. يعودون للحديث عن تعاقداته، ويغوصون في تفاصيل مصروفاته ومداخيله، ويتركون أنديتهم وديونها جانبًا، لأن الهلال بالنسبة لهم هو القضية الأولى، بل وربما الوحيدة.
التعاقد مع الهولندي سمر فيل لم يكن مجرد صفقة جديدة، بل كان الشرارة التي أعادت إلى الواجهة الأسطوانة المشروخة نفسها: «أين عدالة المنافسة؟».
هذا الشعار الذي يتكرر كلما نجح الهلال، ويختفي تمامًا عندما تستفيد منه أندية أخرى.
المفارقة المضحكة أن أكثر من يرفع شعار العدالة هم أنفسهم الذين صمتوا طويلًا عندما كشفت الأرقام أن أنديتهم كانت الأكثر إنفاقًا، وأن بعضها خرج مثقلًا بديون والتزامات مالية ضخمة رغم كل ما حظي به من دعم حينها اختفت العدالة، وغابت المطالبات بالمساواة، وأصبح الصمت سيد الموقف.
الحقيقة التي يحاول بعضهم تجاهلها أن النجاح لا يشترى بالشعارات، بل يبنى بالإدارة، والتخطيط، والاستقرار، وحسن استثمار الموارد.
الهلال لم يصبح الرقم الأصعب لأنه ينفق فقط، بل لأنه يعرف كيف ينفق، وكيف يختار، وكيف يحول الإمكانات إلى بطولات، بينما أهدر غيره فرصًا وإمكانات أكبر دون أن يحقق النتائج ذاتها.
ولهذا، فإن كل صفقة هلالية تتحول إلى قضية رأي عام، بينما تمر صفقات الآخرين مرور الكرام.
ليس لأن الهلال يخرق القوانين، بل لأن حضوره وثقله يصنعان الحدث، ولأن نجاحه المستمر يزعج من اعتاد البحث عن الأعذار بدل البحث عن أسباب التفوق وفوارق السنوات الضوئية، لا جديد اعتدنا على الضجيج، واعتدنا على حملات التشكيك، واعتدنا على محاولة التقليل من كل إنجاز هلالي، لكن ما لم يعتده أصحاب هذه الحملات هو أن الهلال يرد بالطريقة التي تؤلمهم أكثر من أي تصريح..
يرد داخل المستطيل الأخضر، أما جماهير الهلال، فلا يشغلها هذا الصخب الموسمي، لأنها تعلم أن العمل الحقيقي لا يكون في منصات التواصل، بل في غرف التخطيط، وفي أرض الملعب، وفي منصات التتويج، وكلما ارتفع الضجيج، أدركت أن الهلال يسير في الطريق الصحيح.
انتهى الهدوء..
وبدأت العاصفة، ليس لأن الهلال ارتكب خطأ، بل لأنه فعل ما اعتاد عليه دائمًا: تحرك بثقة، وخطط بهدوء، وأبرم صفقة جديدة أربكت خصومه قبل أن تبدأ المنافسات.
وختامًا، يمكن للجميع أن يواصلوا عد صفقات الهلال، ومراقبة حساباته، والانشغال بكل تفاصيله، أما الهلال فسيواصل عد البطولات، وهذا هو الفرق بين من يستهلك وقته في الثرثرة والضجيج، ومن يستثمر وقته في صناعة المجد...
الذي عودنا عليه هذا الكيان الشامخ، عموماً تبقى المسافة شاسعة، كما هو الفرق بين طائرة تستعد للإقلاع، وأخرى بأصوات لا تتجاوز ضجيج المدرج.
نقاط ملونة ومن المفارقات التي تستحق التوقف، أن ديون النصر تجاوزت 800 مليون، وهو رقم ضخم كان يفترض أن يفتح بابًا واسعًا للنقاش والمساءلة، خصوصًا في ظل الحديث المستمر عن الحوكمة، وكفاءة الإنفاق، والرقابة المالية، والإجراءات الوقائية، لكن الغريب أن هذا الملف مر على كثيرين مرور الكرام، وكأنه أمر لا يستحق الوقوف عنده، فأين الأصوات التي اعتادت رفع شعارات الشفافية؟ وأين المطالبون بكفاءة الإنفاق؟ وأين الرقابة عندما وصلت الالتزامات إلى هذا الحجم؟ أسئلة مشروعة تنتظر إجابات أكثر من انتظارها للشعارات.
أما أكثر ما أثار استغرابي مؤخرًا، فهو ما طرحه أحد الإعلاميين عندما كرر على الهواء سؤالًا واحدًا بصيغ مختلفة: كم دفع سمو الأمير الوليد بن طلال للهلال؟ ولماذا دفع؟ وكأن دعم عضو شرف أو داعم لناديه أصبح تهمة تستوجب التحقيق، رغم أن دعم الأندية من محبيها وأعضائها الشرفيين أمر عرفته الرياضة منذ عقود.
كان الأولى أن تطرح الأسئلة الجوهرية التي تهم المشهد الرياضي بأكمله، لا أن ينحصر النقاش في البحث عن الإثارة وإثارة الجدل على حساب المنطق والموضوعية، هذا الشخص لا يكل ولا يمل من تسويق تفاهاته على حساب الهلال.