جانبي فروقة
تشير التقارير لشركة ماكنزي McKinseyلعام 2025م أن 88% من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بانتظام في وظيفة واحدة على الأقل مقارنة بـ78% في العام السابق لكن نحو ثلث المؤسسات فقط بدأت في توسيع استخدامه على مستوى الشركة بأكملها بينما لا تزال الأغلبية عالقة في مرحلة التجارب والمشروعات التجريبية والمشكلة أن كثيرا من الشركات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي، كما لو كان تقنية واحدة تشتري أداة وتطلق مشروعا تجريبيا ثم تنتظر نتيجة سحرية، لكن الذكاء الاصطناعي اليوم ليس موظفًا واحدًا بل إنه أقرب إلى ثلاثة طهاة يعملون في مطبخ المؤسسة ولكل واحد منهم مهارة مختلفة ودور مختلف ومستوى مختلف من الاستقلالية حيث أن الأول يتوقع ما سيحدث والثاني يقترح ما يمكن فعله أما الثالث فيبدأ بتنفيذ العمل بنفسه ولفهم الفرق بينهم سنستعرض مهارات وقدرات كل طاه على حدة فالطاهي الأول هو من يعرف ماذا سيطلب الزبائن ويمثله دور الذكاء الاصطناعي التنبؤي (Predictive Artificial Intelligence) حيث يكون مدير المطبخ مخضرمًا يقف أمام شاشة الطلبات وينظر إلى بيانات الأسابيع الماضية ثم يقول: «اليوم عطلة والجو حار والفرع القريب من البحر سيبيع كميات أكبر من العصائر والسلطات فجهّزوا المخزون مبكرًا» فهو لا يبتكر طبقًا جديدًا ولا يتحدث مع العميل ولا يدير المطعم وحده لكنه يلتقط الأنماط التي يصعب على العين البشرية رؤيتها حيث أنه يتوقع حجم الطلب المتوقع (Demand Forecasting) واحتمال تأخر العميل في السداد (Credit Risk Prediction) والآلة التي قد تتعرض لعطل (Predictive Maintenance) والمنتج الذي قد يشتريه العميل لاحقًا (Next Best Offer) والعملية التي قد تكون احتيالية Fraud Detection)) وهذا النوع ليس جديدًا فقد استخدمته البنوك وشركات التجزئة والمصانع وشركات التأمين لسنوات وغالبًا من دون أن يلاحظه المستخدم النهائي (العميل) وهذا النوع من الطهاة هو طاهٍ هادئ لا يثير ضجيجًا لكنه يمنع الهدر ويحسن التخطيط ويرفع دقة القرارات أما الطاهي الثاني فهو من يقترح الوصفة وهو يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative Artificial Intelligence) وهو يشبه طاهيًا مبدعًا يقف بجانبك حيث تقول له: «لدينا طماطم وعدس وبعض الأعشاب فأرجو ان تقترح طبقًا جديدًا» فيقدم لك ثلاث وصفات ويكتب قائمة المكونات ويقترح طريقة التقديم وربما يصمم اسمًا للطبق وإعلانًا يروج له لكنه لا يعف بالضرورة إن كانت الوصفة مناسبة لمطبخك أو إن كانت المكونات متوفرة أو إن كان أحد الزبائن يعاني حساسية غذائية؛ لذلك لا يزال الإنسان مسؤولًا عن المراجعة والقرار وتكمن قيمة هذا الطاهي في أنه لا يستبدل الموظف بالضرورة بل يعمل بوصفه مساعدًا ذكيًا (AI Copilot) يرفع إنتاجيته.
واليوم نرى المحامي يستخدمه في إعداد المسودة الأولى للعقد والطبيب في تلخيص الملف الطبي والمهندس في تحليل الوثائق والمسوق في بناء الحملة والمبرمج في كتابة الشيفرة لكن وجود المساعد الذكي لا يعني تلقائيًا تحقيق قيمة اقتصادية فالفرق كبير بين موظف يطلب منه كتابة رسالة عشوائية وبين مؤسسة تدمجه داخل سير عمل محدد (Workflow) له مدخلات واضحة ومخرجات قابلة للقياس ومسؤول بشري يراجع النتيجة ولهذا تكشف بيانات الشركات البحثية أن الذكاء الاصطناعي أحدث فوائد مالية واضحة داخل حالات استخدام محددة ولا سيما في هندسة البرمجيات والتصنيع وتقنية المعلومات لكن 39% فقط من المؤسسات أفادت بوجود أي تأثير على الأرباح التشغيلية قبل الفوائد وكانت مساهمة الذكاء الاصطناعي لدى معظمها أقل من 5% من إجمالي تلك الأرباح حسب شركة ماكنزي وبمعنى أوضح فإن الطاهي أصبح موجودًا لكنه لا يزال في كثير من المؤسسات يقترح وصفات أكثر مما يقدم أطباقًا مربحة أما الطاهي الثالث فهو من يدير المطبخ
ويمثل الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic Artificial Intelligence) وهو بمثابة منظومة أو نظام يعتمد على وكلاء ذكاء اصطناعي AI Agents وهو ليس مساعدًا ينتظر منك أن تسأله عن وصفة بل إنه أشبه بمدير مطبخ يتلقى هدفًا ثم يبدأ بتنظيم العمل لتحقيقه حيث تقول له «نحتاج إلى تجهيز 500 طلب قبل الساعة الثانية مع تقليل الهدر والحفاظ على الجودة» فيبدأ بفحص المخزون وتوزيع المهام وإرسال طلبات الشراء ومتابعة الإنتاج وإعادة الجدولة عندما تتعطل إحدى الآلات وقد يتصل بأنظمة أخرى وينفذ سلسلة من الإجراءات ثم يعود إليك بالنتيجة أو يطلب موافقتك عند نقطة حساسة فمثلا وكيل الذكاء الاصطناعي المختص بالمبيعات قد يستقبل طلب العميل ويفحص المخزون ويجهز العرض ويرسله للموافقة ثم يحدث نظام إدارة علاقات العملاء (Customer Relationship Management – CRM) وفي المشتريات قد يقارن عروض الموردين ويتحقق من شروط التوريد ويقترح أمر شراء ثم يرفعه إلى المدير للموافقة ورغم الزخم الإعلامي المحيط بالذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic Ai) فإن انتشاره الفعلي ما يزال في مراحله الأولى فبحسب ماكنزي لم يبدأ سوى 23% من المؤسسات بتوسيع استخدامه بينما لا تزال نسبة كبيرة تكتفي بالتجارب المحدودة وتؤكد ديلويت Deloitte أن التحدي لم يعد في قدرة الوكلاء الأذكياء بل في جاهزية المؤسسات لإدارتهم إذ لا تمتلك سوى شركة واحدة من كل خمس شركات إطار حوكمة ناضجًا لهم ولهذا يبدو الوكيل الذكي كمدير مطبخ موهوب لكن الحكمة تقتضي أن يثبت كفاءته قبل أن نمنحه مفاتيح المطبخ بأكمله لكن اختيار الطاهي المناسب ليس سوى بداية القصة فحتى أمهر الطهاة لن ينجح إذا دخل مطبخًا فوضويًا لا يعرف فيه مكان المكونات أو أيها صالح للاستخدام وهذا هو حال كثير من المؤسسات اليوم فبياناتها موزعة بين أنظمة متعددة تتكرر أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى مما يجعل الوصول إلى المعلومة الصحيحة تحديًا بحد ذاته ثم تأتي فاتورة التشغيل إذ إن الذكاء الاصطناعي لا يُقاس فقط بقدرته على الإنجاز بل أيضًا بتكلفته عند التوسع وهو ما يدفع المؤسسات إلى توزيع المهام بين نماذج مختلفة وفقًا لمستوى التعقيد والتكلفة ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر هو الإنسان فشراء التقنية لا يعني تغيير طريقة العمل وكما أن تركيب محرك طائرة في عربة خشبية لا يجعلها تطير فإن الذكاء الاصطناعي لن يحقق أثرًا حقيقيًا ما لم تُعاد هندسة العمليات وُهيأ البيانات ويُدرَّب الموظفون على العمل معه لا إلى جانبه ولمعرفة من يملك المطبخ اليوم لا بد أن نفهم أن الذكاء الاصطناعي التنبؤي (Predictive AI) يخبرك بما قد يحدث والذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) يقترح ما يمكنك فعله أما الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) فيبدأ بتنفيذ ما قررته لكن المؤسسة وحدها هي لا تزال صاحبة المطبخ وهي التي تحدد الوصفة ومعايير الجودة والميزانية والصلاحيات ومن يراجع النتيجة ومن يتحمل المسؤولية عند الخطأ وقد أظهرت بيانات ماكنزي أن 51% من المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي واجهت نتيجة سلبية واحدة على الأقل وكان عدم الدقة (Inaccuracy) من أكثر المشكلات شيوعًا وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي عن الحوكمة (AI Governance) والتحقق البشري (Human Validation) ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد موجة تقنية عابرة بل تحول إلى أحد أكبر مجالات الإنفاق في الاقتصاد الرقمي فوفقًا لمؤسسة IDC فقد وصل إجمالي الإنفاق العالمي على حلول الذكاء الاصطناعي بجميع فروعها إلى نحو 307 مليارات دولار خلال عام 2025 ومن المتوقع أن يتضاعف تقريبًا ليبلغ 632 مليار دولار بحلول عام 2028 وهو ما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب إلى مرحلة الاستثمار المؤسسي واسع النطاق ولكن لن يكون الفائز في عصر الذكاء الاصطناعي هو من يملك أقوى نموذج بل من يعرف أي طاهٍ يضع في أي محطة وما الصلاحيات التي يمنحها له وما البيانات التي يسمح له باستخدامها وكيف يقيس جودة ما يقدمه، لقد تجاوزنا مرحلة الانبهار بما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله وبدأت المرحلة الأصعب والأهم وهي تحويل قدراته إلى قيمة قابلة للقياس في الوقت والتكلفة والإيرادات والجودة فالطاهي الذكي قد يقترح ألف وصفة لكن النجاح الحقيقي يبدأ فقط عندما يخرج من المطبخ طبق يرضى عنه العميل وتستطيع المؤسسة أن تحسب تكلفته وربحه وفي النهاية لا أحد يذهب إلى المطعم ليرى الطهاة بل ليحصل على وجبة وتجربة لا تُنسى وكذلك الذكاء الاصطناعي لن يغيّر المؤسسات لأنه موجود في المطبخ بل لأنه يغيّر ما يصل إلى مائدة العميل.
** **
- كاتب أمريكي