مهدي آل عثمان
لا تقاس قوة الأنظمة السياسية بما تمتلكه من أدوات أمنية أو قدرات عسكرية فحسب، بل كثيراً ما تستمد جانباً من بقائها من ضعف خصومها، وتشتت معارضيها، وغياب البديل القادر على كسب ثقة المجتمع. وهذه هي إحدى أبرز المعضلات التي تواجه المعارضة الإيرانية منذ سنوات، فعلى الرغم من اتساع حالة الرفض الشعبي، وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإنها لم تتمكن حتى اليوم من تقديم نفسها بوصفها مشروعاً وطنياً موحداً قادراً على قيادة إيران نحو مرحلة جديدة.
فالاعتراض على النظام، مهما اتسعت دائرته، لا يكفي وحده لصناعة التغيير، كما أن الاحتجاجات الشعبية، مهما بلغت قوتها، قد تظل محدودة الأثر ما لم تجد قيادة سياسية واضحة، ورؤية متكاملة، وبرنامجاً وطنياً يقنع الإيرانيين بأن المستقبل سيكون أفضل من الواقع الذي يعيشونه. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى توحيد صفوف المعارضة، والانتقال من حالة التنافس بين الشخصيات والتيارات إلى بناء مظلة وطنية جامعة، تتفق على المبادئ الكبرى، وتتجاوز خلافاتها من أجل مصلحة إيران وشعبها.
ويأتي في مقدمة هذه الخطوات اختيار شخصية سياسية تحظى بالكفاءة والقبول، وتمتلك القدرة على مخاطبة الإيرانيين في الداخل قبل الخارج، وتكون عنواناً سياسياً لمشروع وطني متكامل. ولا يعني ذلك اختزال المعارضة في شخص واحد، أو إلغاء التعددية داخلها، وإنما إيجاد قيادة واضحة، ومجلس وطني منتخب، يتحدث باسم مشروع متفق عليه، ويقدم رؤية متماسكة لإدارة المرحلة المقبلة.
فالتحولات السياسية الكبرى لا تحتمل الفراغ، ولا تحتمل الصراع المبكر بين القوى المتنافسة على السلطة، بل تحتاج إلى قيادة جاهزة لإدارة الدولة، وحماية مؤسساتها، والمحافظة على وحدة البلاد، ومنع الفوضى والانقسام. ولهذا فإن إعداد البديل السياسي يجب أن يسبق أي تغيير محتمل، لا أن يبدأ بعده.
كما أن نجاح أي مشروع معارض يتطلب الاستماع الحقيقي إلى الإيرانيين في الداخل، وعدم الاكتفاء برؤية الشخصيات المقيمة في الخارج. فالشعب الإيراني هو المعني الأول بمستقبل بلاده، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا لم يكن معبراً عن تطلعاته واحتياجاته ومخاوفه. ولذلك فإن بناء قنوات آمنة للتواصل مع الشباب والمرأة والعمال والمثقفين والأقليات ومختلف مكونات المجتمع يعد خطوة أساسية لتكوين معارضة ترتبط بالداخل، ولا تبقى نخبة منفصلة عن واقع الناس.
ومن الضروري أيضاً أن تقدم المعارضة برنامجاً واضحاً لما بعد النظام، يتناول إصلاح الاقتصاد، واستقلال القضاء، وترسيخ سيادة القانون، وضمان الحريات العامة، وتداول السلطة، وحماية حقوق جميع المواطنين دون تمييز. فالإيرانيون لا يبحثون عن تغيير الأسماء والوجوه بقدر ما يتطلعون إلى تغيير النهج، وبناء دولة مؤسسات تحقق العدالة والاستقرار، وتعيد الثقة بين المواطن والدولة.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن يقوم مشروع المعارضة على إعادة توجيه مقدرات إيران نحو بناء الإنسان الإيراني قبل أي شيء آخر. فإيران تمتلك ثروات طبيعية ضخمة، وطاقات بشرية وعلمية كبيرة، إلا أن جانباً مهماً من هذه الإمكانات استُنزف خلال العقود الماضية في الصراعات الإقليمية والمشروعات الخارجية، بينما ظل المواطن الإيراني يتحمل أعباء اقتصادية ومعيشية متزايدة.
ولهذا فإن الدولة الإيرانية المستقبلية مطالبة بجعل التعليم، والصحة، والاقتصاد، والبحث العلمي، وخلق فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، أولويات وطنية لا تتقدم عليها أي أجندات أخرى. فالدول تقاس اليوم بجودة حياة مواطنيها، وبقدرتها على بناء اقتصاد قوي، ومؤسسات مستقرة، ومجتمع آمن، أكثر مما تقاس بنفوذها خارج حدودها أو بعدد أذرعها المسلحة.
كما ينبغي أن تعلن المعارضة بوضوح التزامها بسياسة خارجية جديدة تقوم على حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والابتعاد عن دعم المليشيات والجماعات المسلحة. فالمنطقة لا تحتاج إلى إيران تعيش في صراع دائم مع محيطها، وإنما تحتاج إلى دولة مستقرة ومسؤولة، تبني علاقاتها على التعاون، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.
إن استمرار سياسة التدخلات الإقليمية والصراعات بالوكالة لم يحقق لإيران ولا لجيرانها الاستقرار المنشود، بل أسهم في تعقيد الأزمات، وزيادة التوتر، واستنزاف الموارد. ومن هنا فإن البديل الحقيقي ينبغي ألا يكون نسخة أخرى من النظام القائم، بل مشروعاً مختلفاً يجعل من إيران شريكاً في التنمية والاستقرار، لا مصدراً للصراعات والأزمات.
أما الموقف الدولي، وبخاصة موقف الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه يثير كثيراً من التساؤلات. فعلى الرغم من الخلافات العميقة بين واشنطن والنظام الإيراني، فإن الولايات المتحدة لم تبدُ، حتى الآن، حريصة بصورة واضحة على إسقاط النظام، وربما يعود ذلك إلى خشيتها من سقوطه دون وجود بديل جاهز، وما قد يترتب على ذلك من فراغ سياسي وأمني، وفوضى داخل دولة كبيرة ذات موقع استراتيجي وتأثير إقليمي واسع.
وقد يكون من مصلحة الولايات المتحدة الإبقاء على النظام الحالي في حالة ضعف واحتواء، بدلاً من إسقاطه والدخول في مرحلة مجهولة النتائج. فالعلاقات بين الدول لا تبنى على العداء أو الصداقة الدائمة، وإنما على المصالح، وقد تجد واشنطن في استمرار النظام، رغم خلافاتها معه، ما يخدم جانباً من حساباتها العسكرية والسياسية وتحالفاتها في المنطقة.
وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة، بما تمتلكه من نفوذ سياسي وإعلامي واقتصادي، كانت قادرة على دعم المعارضة الإيرانية بصورة أكبر، والمساعدة في توحيد صفوفها، وتعزيز حضورها بوصفها بديلاً سياسياً. غير أن ذلك لم يحدث بالصورة التي تؤهل المعارضة لتكون مشروعاً جاهزاً، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال أن القوى المعارضة الحالية لم تقدم حتى الآن نموذجاً ينسجم مع المصالح الأمريكية، أو لم تتمكن من إقناع واشنطن بأنها قادرة على حماية مصالحها وضمان الاستقرار بعد أي تحول سياسي.
وقد يكون تشتت المعارضة، وتعدد مرجعياتها، وغياب قيادة تحظى بقبول واسع، من الأسباب التي جعلت القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمة مع النظام الحالي، بدلاً من المجازفة بدعم بديل غير واضح المعالم. فالدول الكبرى لا تدعم التغيير لمجرد وجود معارضة، وإنما حين ترى أمامها مشروعاً منظماً، وقيادة يمكن التعامل معها، وضمانات تحمي مصالحها من تداعيات الفراغ والفوضى.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يصبح مستقبل إيران رهيناً للموقف الأمريكي أو لحسابات القوى الدولية، لأن هذه الحسابات تتغير بتغير المصالح والظروف. فالرهان الحقيقي يجب أن يكون على الشعب الإيراني نفسه، وعلى قدرة المعارضة على توحيد صفوفها، وصياغة مشروع وطني جامع، واختيار قيادة تمتلك الكفاءة والقبول، وتقدم نفسها للداخل والخارج بوصفها بديلاً قادراً على حماية الدولة وإدارة المرحلة المقبلة.
إن توحيد المعارضة الإيرانية لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها مسؤولية المستقبل. فكل يوم يمر دون قيادة واضحة، وبرنامج متكامل، ورؤية جامعة، يمنح النظام فرصة جديدة للاستمرار، ويجعل الإيرانيين أكثر تردداً في المراهنة على بديل لا تزال ملامحه غير مكتملة.
فالتغيير الحقيقي لا يبدأ يوم يسقط النظام، وإنما يبدأ يوم يصبح البديل جاهزاً، وقادراً على إدارة الدولة، وبناء الإنسان، وترسيخ دولة القانون، وصناعة السلام مع الداخل والخارج. وعندها فقط يمكن لإيران أن تفتح صفحة جديدة تقوم على التنمية والاستقرار وحسن الجوار، وتستعيد مكانتها دولةً تخدم شعبها أولاً، وتسهم في أمن المنطقة واستقرارها.