صبحي شبانة
ليست كل الدول التي تتعرض لضغوط خارجية تتجه إلى الانهيار، كما ليست كل الأنظمة التي تبدو متماسكة قادرة على الاستمرار، فسنن السياسة الدولية تؤكد أن الدول لا تبدأ رحلة الأفول حين تُهزم جيوشها، بل حين تتحول أدوات القوة التي صنعت نفوذها إلى عوامل استنزاف، وتصبح العقيدة الإستراتيجية التي ضمنت لها البقاء لعقود عبئًا يسرّع تآكلها من الداخل، عندها، لا يعود السؤال: هل يستطيع النظام الصمود؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف سيدير العالم تداعيات انهياره إذا وقع؟، ومن هذا المنظور فإن قراءة المشهد الإيراني اليوم لا ينبغي أن تُختزل في متابعة الضربات العسكرية المتبادلة، أو في رصد جولات التفاوض والوساطات الدبلوماسية، لأن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، إننا أمام أزمة بنيوية تضرب فلسفة القوة التي حكمت الدولة الايرانية منذ أكثر من أربعة عقود، وأمام تحول إستراتيجي يعيد رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط بصورة ربما تكون الأعمق منذ قيام النظام الإيراني عام 1979.
لقد قامت العقيدة الإستراتيجية الإيرانية على قاعدة أن أمن النظام يبدأ خارج الحدود، وأن توسيع النفوذ الاقليمي عبر الوكلاء والميليشيات يخلق خطوط دفاع متقدمة تمنع نقل المعركة إلى الداخل الإيراني، وعلى مدى سنوات طويلة نجحت طهران في بناء شبكة نفوذ ممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، واعتبرت أن هذه الشبكة تمثل الضمانة الحقيقية لبقائها، وأن أي تهديد لإيران سيقابله اشتعال عدة جبهات في وقت واحد، غير أن السنوات الأخيرة وبصورة أكثر وضوحًا منذ أواخر عام 2025، كشفت أن هذه المعادلة بدأت تنقلب على أصحابها، فما كان يمثل أوراق قوة تحول تدريجيًا إلى مراكز استنزاف، وما كان يمنح طهران قدرة على المناورة أصبح يفرض عليها أعباءً سياسية واقتصادية وعسكرية متزايدة. وبذلك لم تعد إيران تدافع عن مشروع توسع إقليمي بقدر ما أصبحت تدافع عن بقاء نظامها نفسه.
لقد بات من الواضح أن الاستعراضات الصاروخية الإيرانية لم تكن دليلًا على فائض قوة، بقدر ما كانت محاولة لترميم قوة الردع التي أخذت تتآكل عامًا بعد آخر، واليوم تؤكد الوقائع أن الأزمة لم تكن أزمة تكتيكية في إدارة الصراع، وإنما بداية تحول بنيوي في بنية النظام ذاته، إن ما يواجهه النظام الإيراني اليوم هو حصيلة تراكم ثلاث ضربات إستراتيجية متزامنة، تفاعلت مع بعضها حتى أصبحت كل واحدة منها تضاعف آثار الأخرى، الضربة الأولى تتمثل في اهتزاز مركز القيادة وصناعة القرار، فالضربات التي استهدفت قيادات عسكرية وأمنية بارزة لم تكن مجرد خسائر بشرية، بل أحدثت خللًا في منظومة القيادة والسيطرة، وأضعفت قدرة النظام على اتخاذ القرار بسرعة وحسم، وهو ما انعكس على أداء مؤسساته الأمنية والعسكرية، وعلى تماسك عملية صنع القرار داخل الدولة الإيرانية، أما الضربة الثانية فهي الضربة الاقتصادية، وهي الأخطر على المدى البعيد، فالأزمة لم تعد مجرد عقوبات اقتصادية أو تضخم مرتفع أو انخفاض في قيمة العملة، وإنما تحولت إلى إنهاك هيكلي يطال قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها الأمنية، والاستمرار في الإنفاق على أذرعها الخارجية، والحفاظ على شبكة الولاءات التي شكلت أحد أهم أدوات بقائها، وكلما تقلصت الموارد تقلصت معها قدرة النظام على شراء الوقت وامتصاص الضغوط الاجتماعية، أما الضربة الثالثة فتتمثل في تراجع كفاءة شبكة الوكلاء الإقليميين، فهذه الشبكة التي مثلت لعقود الذراع الطويلة لطهران، أصبحت هي الأخرى تواجه ضغوطًا غير مسبوقة، سواء بفعل الضربات العسكرية أو نتيجة المتغيرات الداخلية في الدول التي تنشط فيها، وأصبح كثير من هذه الأذرع منشغلًا بالحفاظ على وجوده أكثر من انشغاله بتنفيذ الأجندة الإيرانية.
غير أن هذا المشهد، على الرغم من عمق مؤشراته، لا يعني بالضرورة أن النظام الإيراني يقف على أعتاب انهيار وشيك؛ فالتجارب التاريخية تؤكد أن الأنظمة العقائدية ذات الطابع الأمني لا تخضع لقواعد السقوط التقليدية؛ إذ تمتلك منظومات أمنية وعسكرية شديدة التماسك، وأجهزة مؤدلجة، وأدوات قمع تمنحها القدرة على إطالة أمد بقائها، حتى في ظل تآكل تدريجي لمصادر قوتها السياسية والاقتصادية، ومن ثم، فإن المبالغة في الحديث عن قرب انهيار النظام لا تقل خطأً عن التقليل من حجم التصدعات التي أصابت بنيته، فالواقع يشير إلى أن طهران لم تعد تمتلك هامش المبادرة الذي مكّنها لعقود من فرض إيقاع الصراع، كما تراجعت قدرتها على إدارة شبكة نفوذها الإقليمية بالكفاءة ذاتها، وأصبحت تتحرك في كثير من الأحيان بمنطق احتواء الخسائر أكثر من سعيها إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية جديدة، وهذا الفارق بين نظام يسعى إلى توسيع نفوذه، وآخر ينشغل بالحفاظ على ما تبقى من أدواته، يمثل أحد أبرز مؤشرات التحول الذي تشهده إيران في المرحلة الراهنة، ومن هنا يمكن فهم السلوك الإيراني الراهن، فطهران لا تتحرك وفق إستراتيجية الانتصار، وإنما وفق إستراتيجية البقاء، إنها تدرك أن موازين القوى لم تعد تسمح لها بتحقيق مكاسب كبرى، ولذلك بات هدفها الأساسي هو تقليل الخسائر، وتأجيل لحظة الحسم، وكسب الوقت حتى تتغير الظروف الإقليمية أو الدولية.
ولهذا نرى مفارقة تبدو للوهلة الأولى متناقضة؛ فإيران تقدم مبادرات عبر الوسطاء، وتبعث برسائل تفاوض، وفي الوقت نفسه تسمح باستمرار التصعيد عبر أذرعها الإقليمية، والحقيقة أن هذا ليس تناقضًا، بل هو التطبيق الكلاسيكي لما يعرف بـالتفاوض تحت النار، حيث يُستخدم التصعيد العسكري لتحسين شروط التفاوض، لا لتحقيق نصر عسكري مباشر، إن النظام الإيراني لا يبحث اليوم عن انتصار شامل، بل يبحث عن جرعات متتالية من الأكسجين السياسي والاقتصادي، تخفيف للعقوبات، أو الإفراج عن أموال مجمدة، أو كسب مزيد من الوقت لإعادة ترتيب الداخل، إنه يدرك أن كل شهر إضافي ينجح في انتزاعه دون تنازلات جوهرية يمثل مكسبًا إستراتيجيًا بالنسبة إليه، غير أن الجانب الآخر من الصورة لا يقل تعقيدًا، فالقوى الدولية رغم إدراكها لحجم التراجع الذي أصاب إيران، لا تبدو متحمسة لانهيارها الكامل بصورة مفاجئة والسبب في ذلك لا يعود إلى حرصها على النظام الإيراني، وإنما إلى خشيتها من الفراغ الذي قد يخلفه هذا الانهيار، فإيران ليست دولة صغيرة يمكن أن تنهار دون تداعيات إنها دولة محورية تطل على الخليج العربي، وتتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وترتبط بعلاقات معقدة مع ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان، كما تمثل عنصرًا رئيسيًا في معادلة أمن الطاقة العالمية، ومن ثم فإن انهيارها بصورة غير منظمة قد يفتح الباب أمام فوضى جيوسياسية يصعب احتواؤها، وقد يؤدي إلى سباق نفوذ إقليمي واسع، وربما إلى صراعات داخلية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها.
ولهذا تبدو الإستراتيجية الدولية أقرب إلى إدارة ضعف إيران منها إلى التعجيل بانهيارها، فالعالم يحاول احتواء الأزمة، لا تفجيرها، وإضعاف النظام، لا إسقاطه بصورة فوضوية، غير أن هذه السياسة تحمل هي الأخرى مخاطرها الخاصة فإطالة عمر الأزمة عبر صفقات مؤقتة أو تفاهمات جزئية قد تمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة إنتاج أدواته القديمة، واستعادة جزء من قدرته على استخدام الميليشيات والتهديدات الأمنية كورقة تفاوض دائمة، ولهذا فإن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر منح النظام المزيد من أكسجين الابتزاز، وإنما عبر بناء معادلة ردع تجعل كلفة التصعيد أعلى من عوائده، وتربط أي انفتاح اقتصادي أو سياسي بتغيير حقيقي ومستدام في السلوك الإقليمي، لا بمجرد تفاهمات مؤقتة.
لقد دخل الشرق الأوسط بالفعل مرحلة جديدة، مرحلة لم يعد فيها الصراع يدور حول النفوذ التقليدي فقط، وإنما حول إعادة صياغة قواعد النظام الإقليمي بأكمله، ولم يعد السؤال: هل ستتراجع إيران؟ فمؤشرات التراجع باتت واضحة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وإنما أصبح السؤال: كيف سيُدار هذا التراجع؟.
إن الفارق بين التحول التاريخي والفوضى التاريخية يكمن في طريقة إدارة المرحلة الانتقالية، فإذا تُركت الأمور لتتطور بعشوائية، فإن المنطقة قد تدخل دورة جديدة من عدم الاستقرار، أما إذا أُديرت المرحلة وفق رؤية إستراتيجية متماسكة، فقد تكون هذه اللحظة بداية لإعادة بناء منظومة إقليمية أكثر توازنًا، تقوم على احترام سيادة الدول، وتجريم استخدام الميليشيات كأداة للسياسة الخارجية، وحماية أمن الممرات البحرية، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية.
لقد دخل النظام الإيراني، في تقديري، مرحلة يمكن وصفها بـالموت الإستراتيجي البطيء. فهو لم يعد قادرًا على شن هجوم يغير قواعد اللعبة، ولم يعد قادرًا على التعافي الاقتصادي، كما أنه يواجه أزمة ثقة داخلية تتسع تدريجيًا. لكنه في الوقت نفسه لا يزال يمتلك من أدوات القوة الأمنية ما يسمح له بإطالة أمد بقائه، ومن هنا فإن التحدي الأكبر لم يعد تحديًا إيرانيًا فحسب، بل أصبح تحديًا دوليًا وإقليميًا، فاختبار المرحلة المقبلة لن يكون في إسقاط نظام أو الإبقاء عليه، وإنما في قدرة المجتمع الدولي على إدارة الفراغ الجيوسياسي الذي قد ينشأ عن تراجع هذا النظام، وبناء توازن جديد يحول دون إعادة إنتاج دوائر الفوضى والصراعات بالوكالة.
إن التاريخ لا يتوقف عند سقوط الأنظمة، بل يبدأ بعد سقوطها فصل أكثر تعقيدًا، ولذلك فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة ليس: متى يضعف النظام الإيراني؟، وإنما: هل ينجح العالم في تحويل هذا الضعف إلى فرصة لبناء شرق أوسط أكثر استقرارًا، أم يكتفي بإدارة الأزمة حتى تنفجر بصورة أكثر عنفًا في المستقبل؟، ذلك هو الاختبار الحقيقي، ليس لإيران وحدها، بل للنظام الدولي بأسره.