عبدالرحمن الحضري
لم يكن دخول السيارات إلى مجتمعنا في عقود مضت مجرد استبدال لوسيلة نقل بأخرى، بل كان حدثًا عظيمًا تفاعل معه الناس وجدانيًا، وأنزلوها منزلة الركائب من الإبل. يقول محمد بن عاصي العطوي رحمه الله في هجينيته الشهيرة، واصفًا السيارة التي تطوي المسافات دون الحاجة لمراتع الإبل، وتسابق الطيور في طيرانها، جاعلاً منها بريدًا للعشاق:
يا راكبٍ فوق ما يدلّي
لو يسهج العشب ما يذوقه
له مركبٍ كنه الزلّي
يشره على الطير ولحوقه
اسلم وسلم على خلّي
أنا وصاته عن البوقة
في ذات الحقبة الزمنية التي راجت فيها هذه الأشعار التي تتغنى بالسيارات، وتحديدًا في عام 1976 اقتنى «أبو محمد» أول سيارة له في حياته؛ «داتسون» (غمارة) بيضاء تسر الناظرين. كانت تعكس مواصفات ذلك الزمن البسيط: ناقل حركة يدوي بأربع سرعات، بلا مكيف، وبلا «هنقلين» والهنقلين: هو الاسم الشعبي للتدعيمات الحديدية التي تُركب على جوانب صندوق السيارة لزيادة حمولتها.
لم تكن تلك «الددسن» - كما يحلو للعامة تسميتها - مجرد وسيلة نقل عابرة، بل كانت شريانًا ينبض بالحياة، ومركبة عامة لقضاء حوائج أهل الحارة. بامتلاكها، انقلبت حياة صاحبها رأسًا على عقب، وأضحى باب منزله مقصدًا لا يهدأ؛ فمن نفدت أسطوانة الغاز لديه يستنجد: «عبّ لنا غاز يا بو محمد» ومن باغت زوجته المخاض في الهزيع الأخير من الليل، فليس له طوق نجاة إلا: «الحقنا يا بو محمد» بل حتى الضيف الذي يحلّ فجأة على أيٍّ من الجيران، يدفع الجار للركض وإدخال يده عبر «المثلث» (الزجاج الجانبي الصغير) ليضغط بوق السيارة بقوة، معلنًا حالة الاستنفار: «شغّل يا بو محمد.. نبي نجيب ذبيحة الضيف الحشيم».
تلك «الددسن» التي كلفته سبعة آلاف ريال (ريال ينطح ريال) اقتناها من حرّ ماله وكدّ يمينه دون مساهمة من أحد، رغم أن الجميع أضحوا شركاء في منفعتها. ورغم كل هذا الكدح، كان الرجل يغرق في سعادة غامرة، ونفسٍ رضية، وهو يرى سيارته مسخّرة لخدمة أهله وجيرانه؛ ترجمةً لود متبادل وحب نقيّ لم تلوثه حسابات المصالح.
ولتعظيم الاستفادة، قرر أبو محمد ترقية سيارته بتركيب (نص هنقلين) و»عقرب» والعقرب: عبارة عن أربع قطع حديدية منحنية (الحنايا) تُثبت في الجزء الأخير من الهنقلين بمؤخرة السيارة، ويمكن نزعها وتوزيعها بالتساوي لتكوّن هيكلاً يُشد عليه «الشراع» فيتحول الحوض إلى ما يشبه الغرفة المتنقلة. ومع هذا الشراع، باتت عائلة أبي محمد واثنتان من عائلات الجيران تجتمع في عطلة نهاية الأسبوع في ليالي الصيف، محملين بما خفّ وزنه من الفرش والشراشف، ليتجهوا نحو فيافي «عرعر» الرحبة للنوم في الهواء الطلق. بينما يركب الأطفال والنساء جميعًا في الحوض، وعندها تتعالى أصوات الصغار بأناشيد البراءة: (حجينا وجينا .. يا وْليد .. زرنا المدينة .. يا وْليد).وبعد الوصول إلى أحضان الطبيعة، تنقسم الجلسات؛ مجموعة للرجال وأخرى للنساء، وتدور أحاديث السمر. وبعد العشاء، يحين دور «الرمعات» والألغاز مع الشاي والقهوة، وتُسرد حكايات الفروسية والمرجلة. وأحيانًا يركضون في لعبة «عظيم ساري» التراثية حتى يدركهم التعب فيخلدون إلى النوم تحت لحاف السماء.
ومع تباشير الفجر، يرفع أبو محمد الأذان، فيصلون جماعةً، ثم يلتفون حول ما أعدته النساء من إفطار يسير، قبل أن يشدوا الرحال مع خيوط الشمس الأولى عائدين إلى منازلهم.
مع مرور الأيام، تطورت شراكة الجيران؛ فبات أبو محمد يستيقظ صباحًا ليجد سيارته قد تبخرت! فهناك من سبقه و»جطلها»! والجطل: تشغيل المحرك عبر تشبيك (الفيوزات) دون الحاجة للمفتاح، لينطلق بها الجار إلى الفيافي لجلب «المنايح» من الماعز لتوفير الحليب لأطفاله، حتى بلغ الأمر مبلغًا جعل أبا محمد يسأل الجماعة بكل تواضع: «يا الربع.. من عيّن الددسن»!
بل وصل به الحال أحيانًا إلى بثّ إشاعة استباقية في المساء بأنه مشغول غدًا، وكأنه يرجوهم بلطف ألا «يجطلها» أحدهم قبل استيقاظه!في مطلع عام 1977 نال أبو محمد نصيبه من «الأرض والقرض» من لدن الحكومة أيدها الله، فشرع في بناء حلمه في حيّ جديد من أحياء المدينة الآخذة في التوسع. وما إن انتهى البنيان بعد بضعة أشهر، حتى شدّ الرحال إلى منزله الجديد وجيرانه الجدد. وبعد أن استقر به المقام في ذلك الحي الهادئ، رضخ لإلحاح زوجته وأبنائه، بعد أن غزت الأسواق موديلات 1978 التي ازدانت بخطٍ أحمر أنيق على جانبيها زادها رونقًا ودلالاً. وبما أن العائلة دشنت مرحلة جديدة بمعارف وعلاقات مختلفة، كان لزامًا أن تكتمل الوجاهة الاجتماعية بوقوف الفاتنة «أم خط أحمر» شامخة أمام باب البيت.
وهكذا، طُويت صفحة بيضاء من تاريخ الجيران الطيبين والتكافل العفوي، ولم يعد باب أبي محمد مزارًا عامًا كما كان؛ فقد دارت عجلة الزمن، وشاعت الموديلات الحديثة في الشوارع. واليوم، وبعد أن طوت الشركة المصنعة اسم «داتسون» من سجلاتها التجارية وأحالته إلى التقاعد النهائي منذ عقود، لم يعد هذا الاسم يمثل كيانًا تجاريًا يُروّج له في صحافتنا، بل تحول إلى «وثيقة اجتماعية» ترصد مرحلة من تاريخنا المجتمعي.
ماتت الماركة، وغابت تقنياتها البدائية، ولم تعد تسمع «لذعة البليتين» ولا القزاز المثلث، ولا الهنقلين، ولا الكلتش، ولا الشفّاط! لكنها ستبقى في وجدان جيلٍ كامل، شاهدةً على قلوبٍ كانت تتسع للجميع قبل أن تتسع مقاعد السيارات..
وكما ارتبطت تلك المركبات في بداياتها بنقاء السريرة، فإن الحنين لتلك الأيام يشبه تمامًا ذلك العشق العميق المستعصي على النسيان، والذي صاغه (ابن عاصي) في ختام هجينيته الخالدة، واصفًا لوعة الوجدان وكأنها نفحاتٌ من زمنٍ جميل لن يعود، فيقول:
أبو ثنايا برد هلّي
لو هن طفايح لهن لوقة
يا بنت يفداك من ذلّي
الحي واللي غدا بسوقه
حبك بقلبي بنى تلّي
طويل ما ينرقي فوقه
عقد الهوى كيف ينحلّي
من مشبك القلب وعروقه
سلطنوا..