د. عبد الهادي المغيري
مع تعقُّد الحياة المعاصرة، وتشابك مجالاتها، وتسارع إيقاعها، لم يعد الإنسان يقضي معظم يومه داخل البيت كما كان الحال في الماضي، ليس الماضي القديم، بل الماضي القريب أيضًا. فقد توزعت ساعات الفرد بين العمل والدراسة والتنقل، وازدحمت حياته بمنصات رقمية، وشبكات اجتماعية، ووسائل ترفيه واتصال تستدعي انتباهه على مدار الساعة. ومن ثم لم يعد مستغربًا أن يقضي كثير من الناس الجزء الأكبر من يومهم خارج المنزل، أو أن يحملوا معهم عوالمهم الرقمية حتى وهم بين جدرانه.
على أن المشكلة ليست في طول ساعات الغياب عن البيت، ولا في كثرة المنبهات التي تنافسه على الوقت والاهتمام، وإنما في أن البيت نفسه لم يعد يحتل الموقع الذي كان يحتله في حياة الإنسان.
كان البيت مركزًا تدور حوله تفاصيل الحياة، وأصبح في كثير من الأحيان محطةً يتقاطع عندها أفراد الأسرة لساعات قليلة، قبل أن يمضي كل واحد منهم إلى عالمه الخاص. كما كان البيت الفضاء الذي تتشكل فيه العلاقات، وتُصنع فيه الذكريات، وتُتداول فيه الخبرات، وتُنقل عبره القيم من جيل إلى آخر. صحيح أن الجميع لا يزالون يعيشون تحت سقف واحد، لكن ذلك السقف لم يعد يعني بالضرورة أنهم يعيشون حياة واحدة.
ومن هنا لا تبدو القضية قضية هواتف ذكية، أو انشغال بالعمل، أو تغير في أنماط الترفيه فحسب؛ إذ هناك تحول أعمق مسَّ موقع البيت في البناء الاجتماعي. فالبيت الذي كان يومًا نقطة الانطلاق والعودة معًا، أخذ يتحول - بهدوء - إلى محطة عبور بين عوالم متوازية، يلتقي فيها أفراد الأسرة جسديًا، في حين يعيش كلٌّ منهم، وجدانيًا وذهنيًا، في عالم آخر.
على أن هذا التحول لم يحدث فجأة، ولم يكن نتيجة سبب واحد يمكن تعليق المسؤولية عليه. فالبيت لم يفقد مكانته لأن التكنولوجيا دخلته، بل لأن كثيرًا من الوظائف التي كانت تمنحه تلك المكانة انتقلت إلى خارجه أو إلى الفضاء الرقمي. فالتعليم لم يعد يبدأ وينتهي في البيت، والترفيه لم يعد يحتاج إلى مجلس عائلي، والعلاقات الاجتماعية لم تعد تتشكل في الحي والأسرة وحدهما؛ إذ أصبحت المنصات الرقمية شريكًا دائمًا في تشكيلها. وحتى أوقات الفراغ، التي كانت تُنسج فيها الحكايات العائلية وتُصنع الذكريات المشتركة، أضحت موزعة بين شاشات لا يجمعها مكان واحد ولا زمن واحد.
وهكذا لم يعد أفراد الأسرة يغادرون البيت فحسب، بل غادرته أيضًا كثير من وظائفه. وما بقي منه، في أحيان كثيرة، هو دوره بوصفه مكانًا للراحة والنوم، بعد أن كان فضاءً تتشكل فيه الشخصية، وتُبنى فيه الثقة، ويُتعلم فيه الحوار، وتُختبر فيه معاني المسؤولية والانتماء.
والمفارقة التي يمكن أن يلحظها أي متأمل هي أن الأسرة اليوم تمتلك من وسائل الراحة ما لم تكن تمتلكه في أي مرحلة سابقة، لكنها لا تملك بالضرورة القدر نفسه من الحياة المشتركة. فالبيوت اتسعت، غير أن المساحات الإنسانية بينها ضاقت. وفي حياة كهذه، أصبح من المألوف أن يجلس الجميع في غرفة واحدة، وفي الوقت نفسه يعيش كل واحد تجربة مختلفة، ويتلقى رسائله الخاصة، ويضحك لأسباب لا يعرفها من حوله، ويكوِّن ذكرياته بعيدًا عن أقرب الناس إليه.
لهذا فإن المشكلة لا تكمن في قلة الوقت وحدها، ولكنها في تراجع الخبرة المشتركة التي كانت تجعل الأسرة تعيش حياة واحدة، مهما اختلفت أعمار أفرادها واهتماماتهم. فالأسرة لا يحفظها السقف الذي يجمعها، وإنما التجارب التي تتقاسمها، والحوارات التي تنشأ بينها، والذكريات التي لا يمكن أن تُصنع إلا بالعيش معًا.
إن أخطر ما يترتب على هذا التحول أنه يُضعف الذاكرة المشتركة التي تقوم عليها الأسرة، وليس الحوار فحسب. فالروابط الإنسانية تُبنى بما يتقاسمه الناس من مواقف وتجارب وتفاصيل صغيرة تتراكم ببطء حتى تصبح تاريخًا خاصًا لا يملكه سواهم.
ولهذا، في تقديري الخاص، تبدأ هشاشة الأسرة عندما يصبح لكل فرد عالمه الخاص، وذكرياته الخاصة، وأحاديثه الخاصة، ومصادره الخاصة؛ وحين يغدو البيت مكانًا للسكن فقط وليس مكانًا للعيش والتجارب المشتركة، يقل الكلام أو يفقد جدواه، ويسود الصمت الذي يشكل غيابًا إجباريًا للتجربة المشتركة التي تمنح الكلام معناه.
وليس من الغريب بعد هذا أن تصبح أبسط الخلافات أكثر تعقيدًا، وأن يزداد سوء الفهم، وأن يضيق مجال التسامح. فمن الطبيعي والمنطقي أن الإنسان يعذر من يعرف قصته، ويتساهل مع من شاركه جزءًا من حياته، أما حين تضعف المعرفة المتبادلة، فإن المسافات النفسية تتسع، ولو بقيت المسافات المكانية كما هي.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأسرة اليوم ليس الحفاظ على وجود أفرادها تحت سقف واحد، وإنما الحفاظ على قدرتهم على أن يعيشوا حياة واحدة، وأن يصنعوا ذاكرة مشتركة تبقى حاضرة حين تتغير البيوت، وتتبدل المدن، وتختفي الشاشات، ويكبر الأبناء.
ومن هنا أيضًا، فإن استعادة مكانة البيت لا تبدأ بإعلان الحرب على التكنولوجيا، ولا بمحاولة استعادة أنماط حياة لم يعد الزمن يسمح بعودتها، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار إلى الوظيفة التي لا يستطيع أي جهاز أو منصة أن تؤديها، والتي تتمثل، من وجهة نظري، بصناعة الحياة المشتركة.
وحين تعود الحياة المشتركة ويعيش الأبناء تجاربهم، يستعيد البيت دوره تلقائيًا. إن الإنسان لا يتذكر عدد الساعات التي قضاها مع أسرته، بقدر ما يتذكر ما عاشه معها. ولهذا فإن وجبةً يتبادل فيها الجميع الحديث، أو رحلةً قصيرة، أو مجلسًا عائليًا صادقًا، أو موقفًا يُضحك الجميع، قد يكون أثره في بناء الأسرة أعظم من ساعات طويلة يقضيها أفرادها في المكان نفسه دون أن يجمعهم شيء.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة على نفسها ليس: كم ساعة نجتمع في اليوم؟ بل: ماذا نصنع معًا حين نجتمع؟ إن الزمن والمكان وحدهما لا يصنعان الألفة، وإنما تصنعها التجارب التي تتحول مع الأيام إلى ذاكرة مشتركة تشد أعضاء البيت بعضهم بعضًا؛ لأنها جزء من تاريخهم الخاص.
ولعل هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي لا تقاس قيمته بالمال ولا بالتقنية، لأن الأسرة التي تنجح في إنتاج حياة مشتركة، لا تكتفي بتقوية روابطها في الحاضر، بل تبني لأبنائها مخزونًا وجدانيًا يرافقهم حين يغادرون البيت، ويظل يعود بهم إليه، مهما ابتعدت بهم الحياة.
وليس الحديث عن البيت حديثًا عاطفيًا يحن إلى الماضي، ولا دعوة إلى مقاومة التحولات التي يشهدها المجتمع؛ فالمجتمعات الحية تتغير، وأنماط الحياة تتبدل، والتقدم يفرض إيقاعًا جديدًا لا يمكن تجاهله. غير أن كل تحول ناجح يحتاج إلى نقطة ارتكاز تحفظ للإنسان توازنه وسط هذا التسارع، ولا توجد مؤسسة أقدر على أداء هذا الدور من الأسرة.
لقد أبدى المجتمع السعودي، في مراحل مختلفة، قدرة لافتة على التكيف مع التحولات الكبرى، وهو اليوم يمضي في مشروع تنموي واسع يعيد تشكيل الاقتصاد وأنماط العمل والحياة. غير أن نجاح أي مشروع تنموي لا يُقاس بما يحققه من مؤشرات اقتصادية فحسب، بل بقدرته على الحفاظ على الإنسان الذي سيحمل هذا المشروع إلى المستقبل. والإنسان المتوازن تبدأ ملامح شخصيته في البيت، وليس في الأسواق ولا في المؤسسات.
ومن هنا، فإن الحفاظ على تماسك الأسرة جزء من بناء رأس المال الإنساني الذي تقوم عليه التنمية المستدامة؛ فالبيت الذي يعلِّم أبناءه الحوار، ويمنحهم الإحساس بالانتماء، ويُعوِّدهم احترام الاختلاف، يُنتِج مواطنين أكثر قدرة على المشاركة في بناء مجتمعهم، وأكثر استعدادًا للتعامل مع متغيرات العصر بثقة واتزان.
وربما لن نستطيع أن نبطئ إيقاع الحياة، ولن نمنع التقنية من أن تتطور، ولن نعيد الزمن إلى صورته الأولى؛ لكن ما يزال في وسعنا أن نحافظ على الشيء الذي لا ينبغي لأي عصر أن ينتزعه منا، وذلك هو أن يبقى البيت المكان الذي يشعر فيه الإنسان بأنه مفهوم، ومقبول، ومنتمٍ.
واستنادًا إلى ذلك كله، أستطيع أن أقرر، بغير مبالغة في القول ولا شطط في التعبير، أن البيوت لا تُفقد حين تُهدم، وإنما تُفقد حين تتوقف عن أداء رسالتها. وقد يبقى السقف قائمًا، ويزداد عدد الغرف فيها أو تتسع أكثر، وتمتلئ المنازل بأحدث وسائل الراحة، وفي الوقت نفسه تتضاءل فيها المساحات التي يلتقي عندها الناس حقًا، ويصغون إلى بعضهم، ويصنعون معًا تلك الذكريات الصغيرة التي تمنح الحياة معناها.
إن الفكرة الأساس التي نسعى إلى الكشف عنها في هذه المقالة العجلي هي أن البيت عندما يتحول إلى مجرد محطة عبور، فإن أفراد الأسرة يخسرون التاريخ المشترك الذي يصنع شعورهم بأنهم عائلة واحدة، يشد بعضهم بعضًا، ويتداعى بعضهم لبعض؛ وهذا الشعور، في تقديري، يتجاوز في أهميته رابطة الدم والنسب، فما يفيد أسرة يسكن أعضاؤها تحت سقف بيت واحد، وكل واحد منهم يعيش منفردًا في شعوره وتجاربه؟!
إن البيوت ليست مكانًا للإيواء والسكن فحسب، ولكنها فضاءات لبناء الحياة المشتركة وصناعة الألفة والحياة المثمرة والذاكرة المستمرة.
ولعل السؤال الذي سيبقى بعد أن تتغير البيوت، وتتبدل المدن، وتختفي التطبيقات، ليس: كم كان منزلنا واسعًا؟ ولا: كم امتلكنا من وسائل للراحة؟ بل سؤال أبسط وأعمق من ذلك كله:
هل كان بيتنا مكانًا نقيم فيه أم مكانًا ننتمي إليه؟
** **
- أكاديمي سعودي