نجلاء العتيبي
أدرتُ مقبض باب الغرفة فإذا بالبحر يسبقُني إلى الداخل، لم يدخل ماءً ولا نسيمًا، وإنما دخل اتساعًا يُخفّف ازدحام الأفكار، وقفتُ أمام المشهد طويلًا دون أن أبحث عن كلمة؛ لأن بعض الأمكنة لا تحتاج إلى وصفٍ بقدر ما تحتاج إلى إنصاتٍ، كان البحر الأحمر يبسط زُرقتَهُ حتى يكاد الأفق ينسى حدوده، وكانت الجزر تستقرُّ فوق الماء في هدوء يُوحي بأنها تعرف سرًّا لم يصل إليه الجميع بعدُ، عندها أدركتُ أنني لا أقفُ أمام منظر جميل، وإنما أمام أرضٍ تملك حكاية أطول من أعمارنا.
على شاطئ جزيرة شورى، وفي أحد مُنتجعاتها التي جمعت أصالة المكان بدقة معاصرة، بدا كلُّ شيء وكأنه خرج من الطبيعة نفسها، لم أشعر أن المباني تنافس البحر، ولا أن البحر يتنازل عن حضوره من أجلها، كانت العلاقة بينهما أقرب إلى حوار هادئ؛ أحدهما يمنح الآخر اكتماله؛ لهذا لم يكن أول ما خطر في ذهني فخامة المكان، وإنما الحكمة التي جعلت الإنسان يقترب من الطبيعة دون أن يطمس ملامحها.
هناك نعمٌ لا ينقصها شيء، وإنما تنتظر مَن يلتفت إليها، وهذا الساحل واحد منها، فمنذ قرون كانت الأمواج تعبر المكان بالإيقاع ذاته، وكانت الشعاب المرجانية تنمو في صمتها البديع، وكانت الطيور تعرف طريقها إلى هذه الجزر قبل أن تُرسم على خرائط السياحة العالمية، لم يتبدَّل البحر، ولم تتغيَّر الريح، وإنما تبدَّلت طريقة النظر إليه.
أحيانًا لا يكون أعظم ما يملكه الوطن ما خفي في باطن أرضه، وإنما ما ظلَّ ظاهرًا حتى ألفته العيون؛ فالاعتياد يحجب القيمة كما يحجب الغبارُ ملامحَ اللوحة النفيسة، يمرُّ الإنسان بالمشهد كل يومٍ حتى يظنه جزءًا عاديًّا من الحياة، بينما يراه القادم من بعيد دهشة تستحقُّ السفر؛ لذلك فإن اكتشاف الثروة يبدأ من اكتشاف معناها، لا من اكتشاف وجودها.
كانت هذه السواحل ككتابٍ نفيسٍ ظل مفتوحًا تحت ضوء الشمس، يمرُّ به الجميع، حتى جاءت رؤية المملكة 2030 تقرأه قراءة جديدة، ومن هنا برزت نظرة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ ذلك الشاب الذي اختار أن يبحث عن الكنوز التي ألفتها العيون حتى كادت تغيبُ عن الانتباه، فأعاد تقديمها للعالم بروحٍ تحفظ أصالتها، وتكشف قيمتها، وتمنحها المكانة التي تستحقُّها، لم تُضف الرؤية جمالًا إلى البحر الأحمر، فالجمال كان حاضرًا منذ الأزل، وإنما أعادت إليه حضوره في الوعي العالمي، وجعلت من هذه السواحل عنوانًا يلتقي عنده الإنسان بالطبيعة في أبهى صورها.
ليس من الصعب أن يبني الإنسان مبنًى فاخرًا، أما الأصعب فهو أن يجعل الفخامة تنحني احترامًا للمكان، وهذا ما يلفتُ النظر في جزيرة شورى؛ فالتفاصيل لا تبدو غريبة عن الرمال، والألوان تستعير هدوءها من البحر، والمسارات تمنح الزائر فرصةً لأن يكتشف المشهد على مهلٍ، لا أن يمُرَّ به مسرعًا، كأن الفكرة منذ بدايتها كانت تقول إن الطبيعة ليست خلفية للمشروع، وإنما قلبه النابض.
كلما أطلتُ الوقوف أمام الماء، ازددت يقينًا أن الزمن كان يحفظ هذه السواحل لمرحلة تعرف كيف تقدمها دون أن تُبدّد نقاءها؛ فالجمال حين يقعُ في يد لا تعرف قيمته يتحوَّل إلى استهلاك، وحين يجتمع مع بصيرة بعيدة المدى يُصبح ميراثًا للأجيال، وما يحدث هنا ليس تغييرًا للمكان، وإنما كشف لما كان مختبئًا في وضح النهار.
ولأن الأعمال الكبيرة تسبقها الأسئلة، فقد قابل هذا المسار مَن اكتفى بالنظر إلى اللحظة، ومَن استعجل الحكم قبل اكتمال الصورة، غير أن الأيام لا تدخل في جدالٍ؛ فهي تكشف الفارق بين الرأي والنتيجة، ومع اكتمال الملامح، أصبح المكان يتحدَّث بلُغتِهِ الخاصة، وصارت التجربة نفسها هي البرهان، حتى غدا الزائر يرى بعينيه ما كانت الكلمات تعجز عن شرحه.
وأنا أتجوَّل بين البحر والرمال، لم يخطُر ببالي أنني أزور وجهة سياحية فحسبُ، بل شعرتُ أنني أقرأ صفحة من سيرة وطنٍ تعلَّم أن ينظر إلى نعمه بعينٍ جديدةٍ؛ فالأرض التي نُحبُّها لا تطلب منا أن نُضيف إليها جمالًا ليس فيها، وإنما أن نحسن قراءة الجمال الذي أودعه الله فيها، وأن نصونه، وأن نمنحه المكان الذي يستحقُّه في ذاكرة العالم.
حين هممتُ بالمغادرة، التفتُّ مرة أخيرة إلى البحر، لم يكن الوداع موجهًا إلى موجة أو جزيرة، وإنما إلى لحظة غيَّرت شيئًا في داخلي، خرجت وأنا أكثر اقتناعًا بأن بعض الأوطان لا تكشف كنوزها دفعةً واحدةً، وإنما تظلُّ تمنحها لمن يقترب منها بعينٍ ترى أبعد من المشهد، وعندها فهمت أن جزيرة شورى لم تعلمني كيف يبدو البحر، وإنما علَّمتني أن النعمة قد تظلُّ سنوات طويلة في وضح النهار، حتى يأتي زمنٌ يملك البصيرة؛ ليكشفها للعالم، وما رؤية المملكة 2030 إلا شاهدٌ على أن الأفكار الكبيرة لا تفرض على المكان عظمته، وإنما تكشف ما كان يسكنه منذ البداية، فيظلُّ البحر بحرًا، وتظلُّ الأرض وفية لروحها، ويبقى الوطن أكثر حضورًا في وجدان أبنائه، وأكثر إشراقًا في عيون زُواره.
ضــــوء
«نحن لا نحلم، نحن نفكر في واقع سوف يتحقَّق -إن شاء الله- فكلُّ عناصر النجاح موجودة لخلق شيء عظيم وشيء جديد». - ولي العهد محمد بن سلمان -حفظه الله-.