سعدون مطلق السوارج
ليست كل الأزمات تُكتب في سجلات السياسة، فبعضها ينتقل مباشرة إلى دفاتر التاريخ، لأنها لا تغيّر مسار الأحداث فحسب، بل تعيد تعريف مفاهيم الأمن والاستقرار وموازين القوة. وما شهدته المنطقة منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 يندرج ضمن هذا النوع من التحولات؛ إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على حدود جغرافية أو أهداف عسكرية، بل امتدت لتطال أمن الخليج العربي، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ثم البحر الأحمر، في محاولة لزعزعة منظومة يرتبط بها جانب كبير من الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
من يقرأ هذا المشهد في سياقه الكامل، يدرك أن الوقائع لم تكن أحداثًا منفصلة، بل سلسلة مترابطة بدأت باستهداف مواقع ومنشآت داخل عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، تحت ذرائع مرتبطة بالرد على الوجود العسكري الأمريكي، غير أن مسار العمليات كشف سريعًا أن آثارها تجاوزت ذلك الإطار، بعدما طالت أراضي وسيادة دول خليجية، وألحقت أضرارًا بمنشآت ومرافق مدنية وحيوية، واتسعت رقعة التهديد لتشمل الممرات البحرية التي يعتمد عليها العالم في حركة التجارة والطاقة.
لم يكن تهديد الملاحة في مضيق هرمز تفصيلًا عابرًا في هذه الأزمة؛ فهذا المضيق يمثل أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، وتعبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والتجارة الدولية. ولذلك فإن أي محاولة لتعطيل الملاحة فيه لا تمثل تحديًا لدول الخليج وحدها، بل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة. ولم يكن مستغربًا أن تتعامل الدول مع هذه التهديدات بوصفها قضية أمن دولي، لأن حرية الملاحة لم تعد شأنًا إقليميًا، بل أصبحت إحدى الركائز التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي.
ومع تصاعد التوتر في الخليج العربي، انتقلت دائرة الاستهداف إلى البحر الأحمر عبر ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، لتدخل الأزمة مرحلة أكثر خطورة. ولم يكن الاعتداء على السفينة السعودية ENCELIA سوى حلقة جديدة في سلسلة استهداف السفن السعودية، بعدما سبقتها اعتداءات على ناقلات وسفن أخرى خلال هذه المرحلة، في محاولة واضحة لتهديد حركة الملاحة، وإرباك خطوط التجارة، واستهداف أحد أهم الممرات البحرية التي تربط الشرق بالغرب. وبذلك لم يعد الاعتداء موجهًا ضد أصول بحرية سعودية فحسب، بل ضد مبدأ دولي راسخ يكفل أمن السفن التجارية وحرية عبورها في المياه الدولية.
وقد عكست سرعة استجابة الجهات السعودية المختصة، وما أعلنته الهيئة العامة للنقل من سلامة جميع أفراد الطاقم، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين السفينة وحماية البيئة البحرية، جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة عالية، غير أن القيمة الحقيقية لهذه الاستجابة لا تكمن في احتواء آثار حادثة بعينها، بل في تأكيد أن المملكة تتعامل مع أمن الملاحة باعتباره مسؤولية تتجاوز حدودها الوطنية، وتمس استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
ولعل أخطر ما كشفته هذه التطورات أن استهداف السفن التجارية لم يكن منفصلًا عن محاولات تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ولا عن الاعتداءات التي طالت مواقع ومنشآت داخل دول مجلس التعاون. فالمشهد، عند قراءته بوصفه وحدة واحدة، يكشف عن محاولة لفرض معادلة تقوم على توسيع نطاق الفوضى، والانتقال بالصراع من البر إلى البحر، ومن الأهداف العسكرية إلى الممرات التجارية، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة وثقة الأسواق الدولية.
وفي خضم هذه التطورات، برزت حقيقة سياسية وتاريخية يصعب تجاوزها؛ فكلما اتسعت دائرة الاعتداءات، ازداد تماسك الموقف الخليجي. فقد أثبتت دول مجلس التعاون أن الأمن لم يعد يُقاس بحدود كل دولة على حدة، بل بمنظومة متكاملة ترى أن أي مساس بإحدى دولها هو مساس باستقرار الخليج بأسره. ومن هذا المنطلق، جاءت مواقف دول المجلس متسقة مع حجم التحدي، مؤكدة أن استهداف السفن التجارية وتهديد الممرات البحرية يمثلان انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، واعتداءً على المصالح المشتركة للمجتمع الدولي.
وكان موقف الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، برئاسة الأمين العام جاسم محمد البديوي، امتدادًا لهذا النهج، حين دانت بأشد العبارات تهديدات ميليشيا الحوثي للمملكة العربية السعودية وتهديدها بتعطيل الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة أن أمن الملاحة البحرية ليس شأنًا إقليميًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الأمن والاستقرار الدوليين، وأن أي محاولة للمساس به تمثل تهديدًا مباشرًا للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
في السياق ذاته، جاء موقف دولة الكويت ليعكس ثباتًا سياسيًا راسخًا، فدانت الاعتداء على السفينة السعودية، وأكدت تضامنها الكامل مع المملكة، ودعمها لكل ما تتخذه من إجراءات لحماية سيادتها وأمنها وصون حرية الملاحة. ولم يكن هذا الموقف جديدًا على العلاقات السعودية الكويتية، بل امتدادًا لمسيرة تاريخية طويلة أثبتت أن البلدين لا تجمعهما حدود مشتركة فحسب، بل تجمعهما وحدة مصير، ورؤية متقاربة، وإيمان راسخ بأن استقرار الخليج مسؤولية جماعية لا تقبل التجزئة.
ولذلك حمل الاتصال الهاتفي بين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وصاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، دلالة تتجاوز البروتوكول السياسي؛ إذ جسّد عمق التنسيق بين القيادتين، وأكد أن العلاقات السعودية - الكويتية تمثل إحدى الدعائم الأساسية التي ارتكزت عليها منظومة الأمن الخليجي في مواجهة هذه المرحلة الدقيقة، وأن ما يجمع البلدين لم تصنعه الظروف الطارئة، بل رسخته عقود من الثقة والتاريخ والمواقف المشتركة.
عند قراءة تسلسل الأحداث منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، تتضح صورة أكثر اكتمالًا؛ فقد انتقلت الأزمة من استهداف منشآت ومواقع داخل دول مجلس التعاون، إلى التهديد المتكرر بإغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة فيه، ثم إلى استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر عبر ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
هذا التسلسل يكشف أن الممرات البحرية أصبحت هدفًا رئيسيًا في هذه المرحلة، في محاولة لإرباك حركة التجارة العالمية، والضغط على أسواق الطاقة، وتقويض الثقة بأمن المنطقة، إلا أن هذه المحاولات انتهت إلى نتيجة معاكسة؛ إذ دفعت دول الخليج إلى مزيد من التنسيق، وعززت القناعة الدولية بأن حماية حرية الملاحة مسؤولية جماعية لا يجوز التهاون فيها.
في المقابل، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة التي أدارت هذه المرحلة بعقل الدولة ومسؤولية القوة الإقليمية. فلم يكن تعاملها مع الاعتداءات قائمًا على احتواء آثارها المباشرة فحسب، بل انطلق من رؤية أشمل ترى أن أمن البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز يشكل منظومة واحدة، وأن استقرار هذه الممرات يمثل مصلحة مشتركة للعالم بأسره. ولهذا جاءت تحركات المملكة السياسية والدبلوماسية والأمنية منسجمة مع قواعد القانون الدولي، ومؤكدة أن حماية السفن التجارية، وصون الممرات البحرية، والحفاظ على انسياب التجارة العالمية، ليست مطالب سعودية فقط، بل التزام دولي تمليه مسؤولية الحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي العالمي.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتلاقى المواقف الخليجية مع إدانات عربية ودولية واسعة؛ فحين تُستهدف السفن المدنية، وتُهدد حرية الملاحة، وتصبح الممرات البحرية عرضة للابتزاز، فإن القضية تتجاوز حدود الإقليم، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على حماية المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الحديث.
وللتاريخ نقول: إن المؤرخ لا يقيس قيمة هذه المرحلة بعدد الصواريخ أو السفن التي تعرضت للاعتداء، بل بالأثر الذي تركته في إعادة تشكيل معادلة الأمن الإقليمي. وحين تُكتب صفحات هذه المرحلة، سيجد الباحثون أن ما بدأ في الثامن والعشرين من فبراير 2026 لم يكن سلسلة حوادث متفرقة، بل محاولة لفرض واقع جديد عبر استهداف دول الخليج، وتهديد مضيق هرمز، والاعتداء على الملاحة في البحر الأحمر. وسيجدون في المقابل أن المملكة العربية السعودية، مدعومة بوحدة خليجية راسخة وفي مقدمتها دولة الكويت، لم تكتفِ باحتواء الأزمة، بل أسهمت في ترسيخ معادلة جديدة مفادها أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر، وأن حماية الممرات البحرية ليست دفاعًا عن مصالح وطنية فحسب، بل دفاع عن القانون الدولي، واستقرار التجارة العالمية، وأمن العالم بأسره.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي