حمد عبد العزيز الكنتي
ثمة مبادرات تتجاوز فكرة تنظيم الفعاليات إلى صناعة التحولات الثقافية غير المسبوقة في المملكة، وهذا ما نجحت فيه مبادرة (الشريك الأدبي) التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، لتصبح خلال خمسة أعوام أحد أبرز المشاريع الثقافية الوطنية التي أعادت صياغة العلاقة بين المجتمع والثقافة، ورسَّخت مفهومًا جديدًا للشراكة الثقافية يقوم على توسيع المشاركة المجتمعية في عوالم الثقافة والأدب.
وقد سعدت بتلقي دعوة هيئة الأدب والنشر والترجمة لحضور الحفل الختامي للنسخة الخامسة من المبادرة، الذي أقيم بحضور نخبة من المسؤولين والمثقفين والشركاء، ومثل الحفل محطة محورية لتقييم تجربة وطنية أثبتت أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان، وأن بناء مجتمع قارئ يبدأ من تمكين المبادرات المحلية وفتح المجال أمام المؤسسات والأفراد ليكونوا شركاء في صناعة المشهد الثقافي.
ومن بين اللحظات التي أسعدتني كثيراً في الحفل، إعلان فوز المقهى الذي قدَّمت على مسرحه العديد من اللقاءات بحضور كوكبةٍ من المهتمين بالمجال الثقافي والمعرفي، حيث يُعد فوز مقهى السبعينات بالمركز الأول عن الفئة (ب) في مسار المقاهي استحقاق يعكس ما وصلت إليه المقاهي الثقافية في المملكة من حضور وتأثير، بعدما أصبحت منصات للحوار، وفضاءات تستضيف الأدباء والمفكرين والقُراء، وتُسهم في صناعة الحراك الثقافي في هذا الوطن المعطاء.
هذا التكريم يُجسد نجاح فكرة آمنت بها هيئة الأدب والنشر والترجمة منذ انطلاق المبادرة تكمن في أن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة القاعات المغلقة، أو تختصر على دوائر النُخب الثقافية فقط، بل يجب أن تكون جُزءًا من الحياة اليومية بانتقالها إلى الأماكن التي يرتادها الناس بمختلف أعمارهم واهتماماتهم.
ولعل الأرقام التي أعلنتها الهيئة خلال الحفل الختامي تعكس بوضوح حجم هذا الأثر، حيث شهدت النسخة الخامسة مشاركة 220 شريكًا أدبيًا في 57 مدينة بمختلف مناطق المملكة، ونُفذت من خلالها 11,677 مبادرة ثقافية، شارك في تقديمها 9,240 متحدثًا، مع تسجيل زيادة بلغت 68 % في عدد المتحدثين الجدد، فيما تجاوز عدد المستفيدين من المبادرة مليون مستفيد.
تعكس هذه الأرقام اتساع رقعة المشاركة الثقافية، فهذه المبادرة استطاعت الوصول إلى شرائح متنوعة من المجتمع، بنجاحها في استقطاب أجيال جديدة من المهتمين بالأدب والثقافة، سواء كانوا متحدثين أو مشاركين أو جمهورًا.
كما تؤكد هذه النتائج نجاحها في بناء نموذج وطني للشراكة الثقافية بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، وهو النموذج الذي أشار إليه الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة الدكتور عبداللطيف الواصل، بوصفه أحد أهم مرتكزات استدامة الحراك الثقافي في المملكة.
ولا يمكن قراءة نجاح «الشريك الأدبي» بمعزل عن رعاية برنامج جودة الحياة، الذي يعد أحد برامج تحقيق رؤية السعودية 2030، إذ تتسق المبادرة بصورة مباشرة مع مستهدف بناء (مجتمع حيوي) نابضٌ بالمعرفة، ويجعل الثقافة جزءًا من جودة الحياة اليومية، ويعزز المشاركة المجتمعية كركيزة من ركائز التنمية الوطنية.
لقد أثبتت التجربة أن الثقافة تزدهر حين تصبح جزءًا من تفاصيل الحياة؛ في المقهى، والصالون الأدبي، والنادي الثقافي، والجمعية، والمساحات المشتركة. ففي هذه البيئات تولد الأفكار، وتتلاقى التجارب، ويتعرَّف الشباب على الأدباء، ويجد المبدعون منصات يروون من خلالها قصصهم، ويتحوَّل الحوار الثقافي إلى ممارسة مجتمعية مفتوحة للجميع.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمبادرة الشريك الأدبي؛ فهي لم تكتفِ بتنظيم آلاف الفعاليات، بل أسهمت في تغيير النظرة إلى الثقافة ذاتها كمساحة رحبة تتسع للجميع، يشارك فيها الكاتب والقارئ، والشاب والطفل، والأكاديمي والهاوي، في مشهد يعكس التنوع الثقافي الذي تعيشه المملكة اليوم.
إن ما تحقق خلال النسخة الخامسة من مبادرة الشريك الأدبي يُؤكد أن المملكة تمضي بخطى واثقة نحو بناء منظومة ثقافية مستدامة، تقوم على صناعة مجتمع يؤمن بالقراءة، ويحتفي بالحوار، ويمنح الأدب مكانته الحقيقية كرافد مهم من روافد التنمية الإنسانية.