هدى بنت فهد المعجل
يُعتبر الأمن والأمان من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على عباده، فهو ليس مجرد خيار ثانوي في حياة الإنسان، بل هو حاجة فطرية وأساسية لا تستقيم الحياة بدونها. حين يغيب الأمن، تتشوه معالم الحياة، وتتحول الأيام إلى سلسلة من الخوف والقلق، بينما يُعدّ وجوده الأرض الخصبة التي تنمو فيها الطمأنينة، وتزدهر العقول، وتتحقق النهضة البشرية.
لقد أولى القرآن الكريم قضية الأمن اهتماماً بالغاً، وجعله قرين الاستقرار والعيش الكريم. بل إن الله سبحانه وتعالى قدّمه في الإنعام على العباد على نعمة الرزق؛ لأن الخائف لا يهنأ برزق، ولا يسعد برغد عيش. يقول الله تعالى في محكم التنزيل: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش: 4]. فهذه الآية الكريمة تختصر مقومات الحياة الكريمة في أمرين: الكفاية الاقتصادية (الإطعام)، والسلامة النفسية والبدنية (الأمن من الخوف).
كما أشار القرآن إلى أن الأمن والأمان هما التجسيد الحقيقي للجزاء الطيّب والاستخلاف في الأرض، حيث قال عز وجل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) [النور: 55].
إن التحول من حالة الخوف إلى حالة الأمن هو الوعد الإلهي الذي يمنح النفس سكينتها. بالتالي عندما يشعر الفرد بالأمان على نفسه، وماله، وعرضه، وفكره، تنزاح عن كاهله أعباء القلق المستمر، مما ينعكس إيجاباً على مجالات حياته كافة:
السكينة النفسية والراحة الذهنية: يتفرغ الذهن للإبداع والتفكير الإيجابي بدلاً من الانشغال بالتوجس والدفاع عن النفس.
الاستقرار الاجتماعي: يعيش الإنسان بين أفراده ومحيطه بثقة، فيقوى النسيج الاجتماعي وتزداد أواصر التعاون والرحمة.
التنمية والإنتاجية: لا يمكن لأي مجتمع أن يبني اقتصاداً أو يطور تعليماً دون أرضية صلبة من الأمن؛ فالأمان هو الدافع الأكبر للعمل والاستثمار.
إذًا الأمن ليس مجرد غياب للجريمة أو الخطر، بل هو حالة شاملة من الاطمئنان الخارجي والسكينة الداخلية. وقد بيَّن القرآن الكريم أن الطريق إلى الأمن الحقيقي يمر عبر الإيمان والعدل واستقامة السلوك، كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: 82].
فالحفاظ على الأمن مسؤولية جماعية تتطلب استشعار قيمته، والعمل على صيانته ليبقى الفرد آمنًا في سربه، مطمئناً في يومه وغده.