أنس تشكالا
في مساءٍ هادئ، جلستُ عازمًا على قراءة كتابٍ طالما أجّلتُ البدء فيه. وضعتُ هاتفي إلى جواري، وفتحت الصفحة الأولى، وما إن مضت دقائق حتى أضاءت الشاشة بإشعار جديد. تجاهلته أول الأمر، ثم قلت في نفسي: «لن تستغرق سوى لحظة». غير أن تلك اللحظة امتدت إلى دقائق، والدقائق إلى ما يقارب الساعة، وحين عدت إلى الكتاب، وجدتني أعود إلى الصفحة الأولى، لا لأنني نسيت موضع القراءة، بل لأنني فقدت خيط الفكرة. عندها أدركت أن المشكلة لم تكن في الكتاب، وإنما في قارئه.
لم يعد التحدي الأكبر في عصرنا أن نجد ما نقرأه؛ فالكتب والمقالات والدراسات أصبحت أقرب إلينا من أي وقت مضى. بضغطة زر واحدة نستطيع الوصول إلى مكتبات عالمية، وآلاف المؤلفات في مختلف العلوم والفنون. غير أن هذا اليسر المعرفي صاحبه عسرٌ من نوع آخر، هو عسر التركيز. فالوفرة لم تجعلنا أكثر قراءة، بقدر ما جعلتنا أكثر انتقالًا بين النصوص، وأقل قدرة على الإقامة مع فكرة واحدة حتى تكتمل في أذهاننا.
لقد صنعت التقنية عالمًا سريع الإيقاع، يتنافس فيه الجميع على جذب انتباه الإنسان، حتى أصبح الانتباه نفسه موردًا تتنافس عليه التطبيقات والمنصات. فكل إشعار يطلب لحظة من تركيزنا، وكل مقطع قصير يقود إلى آخر، حتى اعتاد العقل هذا التنقل الدائم، وأصبح السكون أمام كتاب لساعة كاملة أمرًا يحتاج إلى تدريب بعد أن كان عادة مألوفة.
وقد تناول الباحث الأمريكي نيكولاس كار هذه الظاهرة في كتابه السطحيون، مبينًا أن الإنترنت لا يغير طريقة وصولنا إلى المعرفة فحسب، بل يعيد تشكيل أنماط التفكير والانتباه، فيجعل القراءة السريعة والقفز بين النصوص سلوكًا مألوفًا، ويضعف القدرة على التركيز العميق. ولعل كثيرين يجدون في هذا الوصف صورةً صادقة لما يعيشونه اليوم.
إن القراءة الحقيقية ليست جمعًا للمعلومات، وإنما بناءٌ للعقل. فالكتاب لا يلقن قارئه الأفكار تلقينًا، بل يدعوه إلى الحوار معها، ويمنحه فرصة للتأمل والمراجعة وإعادة النظر. أما الاكتفاء بالعناوين والمقتطفات والملخصات، فإنه قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالاطلاع، لكنه لا يصنع معرفة راسخة، ولا يبني فكرًا ناضجًا.
ولعل من أبرز مظاهر هذا العصر أننا أصبحنا نعرف عن أشياء كثيرة، لكننا نتقن القليل منها. نقرأ ملخصات الكتب بدل الكتب، وعناوين الأخبار بدل تفاصيلها، ومقتطفات الدراسات بدل نتائجها، ثم نظن أننا أحطنا بالموضوع علمًا. وهكذا تتحول المعرفة إلى شذرات متناثرة، يصعب أن تتآلف لتصنع رؤية متماسكة.
ولا يعني هذا أن التقنية خصمٌ للقراءة، فهي من أعظم منجزات العصر، وقد يسرت الوصول إلى مصادر العلم، وفتحت أبوابًا واسعة أمام الباحثين والقراء. غير أن الوسائل، مهما بلغت من التطور، لا تصنع قارئًا واعيًا، وإنما يصنعه حسن الاختيار والانضباط في استخدامها.
إن أخطر ما يهدد القراءة اليوم ليس ندرة الكتب، بل كثرة الملهيات. فالقارئ لا يخسر معركته أمام صعوبة النص، وإنما أمام ذلك الإشعار الذي يقطع خيط الفكرة، وتلك العادة التي تدفعه إلى الانتقال من نافذة إلى أخرى قبل أن يكتمل الفهم. ومع تكرار هذا الانقطاع، يفقد العقل قدرته على الغوص، ويكتفي بالسباحة على سطح الأفكار.
ولذلك فإن استعادة القراءة لا تبدأ بشراء المزيد من الكتب، وإنما باستعادة القدرة على الإنصات. أن نجلس مع كتاب دون أن نتفقد الهاتف كل بضع دقائق، وأن نمنح الفكرة وقتها لتنضج، وأن نستعيد فضيلة التمهل في زمن يستعجل كل شيء. فالقراءة ليست سباقًا في عدد الصفحات، بل رحلة في عمق المعاني.
ولعل أجمل ما في الكتاب أنه لا يزاحم قارئه، ولا يقاطعه، ولا يطالبه برد عاجل. إنه ينتظر في صمت، ويمنح صاحبه الوقت ليفكر، ويترك أثره بهدوء، حتى إذا أُغلقت صفحاته، بقيت أفكاره مفتوحة في العقل والوجدان. ولهذا ظل الكتاب، عبر العصور، خير جليس؛ لأنه لا يطلب من صاحبه إلا حضور القلب والعقل.
وفي زمنٍ كثرت فيه الأصوات، يظل الكتاب هو الرفيق الذي لا يرن، ولا يومض، ولا ينتزع انتباهك إلى غيره.
وربما كانت حاجتنا اليوم إلى لحظات من الصمت الواعي أشد من حاجتنا إلى المزيد من المحتوى؛ فالأفكار العظيمة لا تولد وسط ضجيج الإشعارات، وإنما في صحبة كتاب، وعقل حاضر، وتأمل لا تقطعه المقاطعات. ولعل أعظم ما يحتاجه الإنسان في هذا العصر ليس كتابًا جديدًا فحسب، بل قدرةً جديدة على أن يبقى مع كتاب واحد حتى الصفحة الأخيرة.