د. محمد بن أحمد غروي
تعكس الزيارات رفيعة المستوى للإدارة الأمريكية إلى جنوب شرق آسيا إدراكًا متزايدًا للمكانة الاستراتيجية التي باتت تحتلها رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في موازين القوة العالمية، فقد أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التزام بلاده الكامل بدعم الرابطة باعتبارها المنصة الرئيسة للتفاعل الأمريكي في المنطقة، مشيرًا إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تنظر إلى جنوب شرق آسيا بوصفها شريكًا إستراتيجيًا طويل الأمد.
ولم يقتصر هذا الالتزام على الرسائل السياسية، بل اقترن بحزمة من المبادرات العملية، شملت استثمارات حكومية أمريكية بقيمة 2.5 مليار دولار لتعزيز التنمية الإقليمية وأمن الطاقة، إلى جانب موافقة مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية على استثمارات استراتيجية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم البنية التحتية للطيران، وسلاسل التوريد، ومشروعات الغاز الطبيعي المسال، والطاقة النووية المدنية، وشبكات الطاقة الإقليمية، بما يعكس سعي واشنطن إلى ترسيخ حضورها الاقتصادي بالتوازي مع حضورها السياسي والأمني.
وجاءت هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، وما تسببت به من ضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهي تطورات ألقت بظلالها على اقتصادات دول آسيان التي تعتمد بدرجات متفاوتة على انسيابية التجارة الدولية واستقرار إمدادات الطاقة.
ومع ذلك، حملت الزيارة رسالة واضحة بأن المنطقة ما تزال تمثل أولوية ثابتة في الاستراتيجية الأمريكية، ليس فقط لأهميتها الاقتصادية، وإنما أيضًا لارتباطها المباشر بالتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتستند هذه الأهمية إلى الثقل الاقتصادي المتنامي للرابطة؛ إذ تُعد آسيان اليوم ثالث أكبر اقتصاد في آسيا وخامس أكبر اقتصاد عالمي، مع توقعات بنمو اقتصادي يبلغ نحو 4.6 %، متجاوزًا معدلات النمو في العديد من الاقتصادات المتقدمة، كما استقطبت خلال العامين الماضيين أكثر من 400 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، من بينها نحو 230 مليار دولار في عام 2023، وهو أعلى مستوى في تاريخها، الأمر الذي يعكس قدرتها على جذب رؤوس الأموال العالمية في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج والتوريد الدولية.
وفي المقابل، تواصل دول آسيان انتهاج سياسة براغماتية تقوم على التوازن، وعدم الانحياز، وتنويع الشراكات، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى، وقد مكّنها هذا النهج من الحد من آثار الصراعات الإقليمية، وتعزيز استقرارها، وترسيخ دورها بكونها قوة إقليمية متوسطة قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية دون الانخراط في الاستقطابات الدولية الحادة.
ومن هنا، لم تعد آسيان ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، وإنما أصبحت لاعبًا يسعى إلى توظيف هذا التنافس لخدمة أولوياته التنموية وتعزيز مكانته في النظام الدولي، فبراغماتية الرابطة لا تقوم على الحياد السلبي، بل على إدارة العلاقات الدولية وفق منطق المصالح، والاستفادة من تعدد الشراكات، وبناء هامش أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية، ولهذا تبدو آسيان اليوم أكثر قدرة على إعادة صياغة موقعها في النظام العالمي المتشكل، ليس باعتبارها طرفًا يتلقى تأثيرات التحولات الدولية، بل شريكًا فاعلًا يسهم في تشكيلها والاستفادة من فرصها.