د. عبدالعزيز بن حضيري العروي
لا تتعثر معظم الأفكار لأنها مستحيلة، وإنما لأنها تنتظر اللحظة المثالية التي لا تأتي غالباً.
يظن بعضنا أن النجاح يحتاج إلى إمكانات كبيرة، وفريق متكامل، ودعم واسع، بينما تؤكد التجارب أن كثيراً من الإنجازات بدأت بخطوة متواضعة، لكنها كانت صادقة وواضحة، واستثمرت ما كان متاحاً قبل أن تبحث عما هو مفقود.
الفكرة في بدايتها لا تحتاج إلى الكمال، بل تحتاج إلى قرار، أن تبدأ بما تملك، ومن المكان الذي أنت فيه ومع الأشخاص الذين يؤمنون بما تؤمن به، فليس من الحكمة أن يؤجل الإنسان مشروعه انتظاراً لظروفٍ قد لا تكتمل، بل ان يحسن استثمار إمكاناته، مهما بدت محدودة، وأن ينظر إلى بيئته باعتبارها نقطة انطلاق لا عذراً للتوقف، فكل بيئة تحمل فرصاً قد لا يراها إلا من قرر أن يبدأ.ولا يخلو طريق البداية من التحديات؛ فالعقبات ليست دليلًا على خطأ الطريق، بل جزء من طبيعته.
من يبدأ سيخطئ، ويتعلم، ويعيد ترتيب أولوياته، ويكتشف مع الوقت أن الخبرة لا تسبق البداية، وإنما تولد منها، أما من ينتظر حتى تزول الصعوبات، فغالباً سيبقى في المكان نفسه، يحمل الفكرة ذاتها لسنوات دون أن ترى النور.
وحين يمضي الإنسان بثبات، ولو بخطوات صغيرة، تبدأ النتائج في الظهور، لا لأنها جاءت دفعة واحدة، بل لأنها ثمرة تراكمات يومية، وقرارات متتابعة، وانضباط في العمل، وثقة بأن الإنجازات الكبيرة ليست سوى حصيلة بدايات صغيرة لم يستهن أصحابها بها.
إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه ليس مشروعاً مكتملاً، بل بداية صادقة.
فالأحلام لا تتحول إلى واقع لمجرد أننا نؤمن بها، وإنما حين نمنحها وقتنا، ونبذل لها جهدنا، ونتقبل ما يعترض طريقها من تعثر وتصحيح وتطوير، فكل خطوة، مهما بدت صغيرة، تقرّب صاحبها من غايته، وكل تجربة تضيف إليه خبرة لم يكن ليكتسبها لو بقي ينتظر.
وحين يلتفت الإنسان إلى الوراء بعد سنوات، يدرك أن ما حققه لم يكن ثمرة لحظة استثنائية، بل حصيلة قرارات بسيطة اتخذها في الوقت المناسب، وإصرارٍ لم ينقطع رغم صعوبة الطريق.
وهكذا تتحول الفكرة من خاطر عابر إلى إنجاز يُروى، ومن أمنية مؤجلة إلى تجربة تستحق الفخر.
** **
- رئيس نادي ثقات الثقافي بمنطقة المدينة المنورة