محمد حسن فايد
يبدو عنوان كتاب ثيو بيكر «How to Rule the World: An Education in Power at Stanford University» استفزازياً منذ اللحظة الأولى، فهو يوحي بدليل عملي للسيطرة على العالم، بينما يقدم في حقيقته رحلة استقصائية داخل واحدة من أكثر الجامعات تأثيراً في العصر الحديث، كاشفاً عن الآليات التي تُصنع بها السلطة داخل البيئة الأكاديمية المتشابكة مع رأس المال وشركات التكنولوجيا. ويبتعد الكتاب عن الصورة التقليدية التي ترسم الجامعات بوصفها فضاءات مستقلة للعلم، ليقود القارئ إلى عالم تتحول فيه المعرفة إلى استثمار، والطالب إلى مشروع اقتصادي، والبحث العلمي إلى ورقة في معركة النفوذ.
ينتمي هذا العمل إلى نوع نادر يجمع بين السيرة الذاتية والتحقيق الصحفي والنقد الثقافي، فبيكر يروي تجربته الشخصية منذ وصوله إلى جامعة ستانفورد طالباً في السابعة عشرة من عمره، ثم يحول تلك التجربة إلى نافذة لفهم ثقافة كاملة تحكم وادي السيليكون، المنطقة التي خرجت منها شركات أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي وأصبحت تمتلك تأثيراً يتجاوز حدود الدول.
جاء ثيو بيكر إلى ستانفورد حاملاً الصورة التي يحملها معظم الطلاب عن الجامعة، مكان يجتمع فيه أصحاب العقول الاستثنائية، ومختبر مفتوح للأفكار الجديدة، ومنصة ينطلق منها العلماء ورواد الأعمال نحو المستقبل. وقد عززت هذه الصورة نشأته داخل أسرة صحفية معروفة، فوالده بيتر بيكر ووالدته سوزان جلاسر من أبرز الصحفيين الأمريكيين، الأمر الذي منحه اهتماماً مبكراً بالشأن العام، رغم أن شغفه الأول كان البرمجة وعلوم الحاسوب أكثر من الصحافة.
داخل الحرم الجامعي بدأت الصورة المثالية تتعرض لاختبارات متتالية، اكتشف بيكر أن ستانفورد تمتلك وجهين؛ أحدهما يظهر في الكتيبات الدعائية والخطب الرسمية، والآخر يختبئ خلف شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والعلاقات السياسية والامتيازات الاجتماعية. هنا يتحول التعليم إلى جزء من صناعة أكبر، هدفها إنتاج قادة الاقتصاد الرقمي أكثر من إنتاج الباحثين والمفكرين.
يخصص المؤلف صفحات مهمة لتفسير العلاقة التاريخية بين ستانفورد ووادي السيليكون، مؤكداً أن الجامعة لم تكن شاهداً على صعود شركات التكنولوجيا، بل كانت أحد أهم صناع هذا الصعود، فمن مختبراتها خرج مؤسسو شركات كبرى، ومن قاعاتها انتقلت الأفكار إلى الأسواق، ومن شبكاتها الأكاديمية نشأت علاقات متينة مع المستثمرين وصناديق رأس المال الجريء. ومع مرور العقود أصبحت الجامعة شريكاً رئيسياً في المنظومة الاقتصادية التي تديرها شركات التكنولوجيا العملاقة.
هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على فلسفة التعليم داخل المؤسسة، فنجاح الطالب لم يعد يقاس بدرجة تفوقه الأكاديمي وحدها، بل بقدرته على إنشاء شركة ناشئة أو جذب المستثمرين أو تطوير تطبيق قادر على تحقيق أرباح ضخمة. ويشير بيكر إلى أن الحديث اليومي بين الطلاب يدور حول التمويل والاستثمار وبناء الشركات أكثر من النقاشات الفكرية أو العلمية، وكأن الجامعة أصبحت محطة أولى في رحلة رجال الأعمال، أكثر منها محطة لتكوين العلماء.
يحاول الكاتب تفسير نتائج هذا التحول الاجتماعي والثقافي ، فحين تصبح الثروة معياراً للنجاح، تتراجع تدريجياً قيم البحث الحر والتأمل الفكري والنقد المستقل، ويصبح التعليم جزءاً من اقتصاد السوق. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يرافق الكتاب كله: هل ما زالت الجامعة مؤسسة لإنتاج المعرفة، أم أنها أصبحت مصنعاً لإنتاج النفوذ؟
ويتجلى هذا السؤال في تفاصيل الحياة اليومية داخل الحرم الجامعي، ففي السكن الطلابي يلتقي أبناء المليارديرات مع طلاب حصلوا على منح دراسية كاملة، ويعيش الجميع في المكان نفسه، غير أن الفوارق الاقتصادية تفرض حضورها في كل التفاصيل. بعض الطلاب يمتلكون شبكات علاقات تمتد إلى كبار المستثمرين قبل بداية الدراسة، بينما يبدأ آخرون رحلتهم من الصفر، ويحاولون فقط الحفاظ على مكانهم داخل مؤسسة شديدة التنافس.
يرسم بيكر صورة دقيقة لهذا العالم، حيث تتجاور العبقرية مع الامتياز الطبقي، ويجتمع الطموح الفردي مع سباق لا يهدأ نحو القمة، ومن خلال عشرات المواقف اليومية يوضح أن الفارق بين الطلاب لا تحدده القدرات وحدها، بل تحدده أيضاً البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي جاء منها كل طالب، وهو ما يجعل تكافؤ الفرص شعاراً يصعب تحقيقه بالكامل.
ويتوقف الكتاب عند ظاهرة يعتبرها واحدة من أكثر مفارقات ستانفورد إثارة، وهي القيود الصارمة التي فرضتها الإدارة على الحياة الاجتماعية داخل الجامعة، فقد خضعت الحفلات الطلابية لإجراءات معقدة وموافقات متعددة، ووُضعت قواعد تفصيلية تتحكم في كل شيء، من مستوى الصوت إلى عدد المشاركين وآليات التنظيم، ويصف بيكر هذه السياسات باعتبارها نموذجاً لبيروقراطية توسعت تدريجياً حتى أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.
ويؤكد أن الهدف المعلن كان حماية الطلاب وتقليل المخاطر، غير أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات، فبدلاً من تنظيم الحياة الاجتماعية، دفعت هذه القيود كثيراً من الأنشطة إلى الخفاء، وأوجدت شعوراً عاماً بأن الإدارة تتعامل مع الطلاب بوصفهم مصدراً للمشكلات أكثر من كونهم شركاء في بناء مجتمع جامعي صحي.
ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة ينتقل الكاتب إلى فكرة أوسع، مفادها أن المؤسسات الكبرى كثيراً ما تبدأ في فقدان مرونتها عندما يتضخم الجهاز الإداري، فتزداد اللوائح عاماً بعد آخر، ويتراجع هامش الثقة، ويصبح الامتثال للقواعد هدفاً في حد ذاته، حتى لو جاء ذلك على حساب التجربة الإنسانية التي يفترض أن توفرها الجامعة.
ويلاحظ بيكر أن هذه الثقافة الإدارية تسير جنباً إلى جنب مع ثقافة أخرى أكثر تأثيراً، تتمثل في صناعة النخبة الاقتصادية الجديدة، فمنذ السنوات الأولى للدراسة يلفت الطلاب المتفوقون أنظار المستثمرين، وتبدأ اللقاءات الخاصة والعروض المبكرة للتمويل، قبل أن يمتلك الطالب فكرة واضحة عن المشروع الذي يريد تنفيذه. وتتحول الجامعة تدريجياً إلى سوق مفتوحة لاكتشاف المواهب والاستثمار فيها، حيث تتداخل الدراسة مع رأس المال بصورة تكاد تكون يومية.
وسط هذا المشهد كان بيكر يعتقد أنه يكتب عن الحياة الجامعية وتناقضاتها، حتى جاءته رسالة إلكترونية مجهولة غيرت مسار حياته بالكامل، وفتحت الباب أمام واحدة من أشهر التحقيقات الصحفية في تاريخ الجامعات الأمريكية.
كانت الرسالة التي وصلت إلىه بسيطة في ظاهرها؛ رابط إلى منصة PubPeer التي يستخدمها الباحثون لمناقشة الأوراق العلمية المنشورة والإشارة إلى الأخطاء المحتملة فيها، غير أن هذا الرابط قاده إلى قضية هزت جامعة ستانفورد، ثم امتد صداها إلى المجتمع الأكاديمي في الولايات المتحدة. فقد تضمنت التعليقات المنشورة على المنصة اتهامات بوجود تلاعب في صور علمية داخل عدد من الأبحاث التي حملت اسم مارك تيسير لافين، رئيس الجامعة وأحد أبرز علماء الأعصاب في العالم.
في تلك اللحظة كان بيكر ما يزال طالباً جامعياً في عامه الأول، ولم يكن يملك خبرة في قراءة الأبحاث الطبية أو فهم تفاصيل التجارب المخبرية، غير أن خلفيته في البرمجة وتحليل البيانات منحته قدرة على التعامل مع التفاصيل التقنية، فبدأ يقرأ الورقة الأولى ثم الثانية، وانتقل بعدها إلى عشرات الدراسات المرتبطة بالاسم نفسه، محاولاً فهم طبيعة الملاحظات التي أثارها الباحثون على منصة المراجعة.
سرعان ما أدرك أن القضية لا تتعلق بخلاف علمي حول تفسير النتائج، وإنما بوجود صور متشابهة بصورة تثير الشك، وأجزاء جرى تكرارها أو تعديلها رقمياً داخل تجارب يفترض أنها مستقلة، ومن هنا انتقل التحقيق من مرحلة التساؤلات إلى مرحلة البحث عن الأدلة.
استعان بعدد من المتخصصين في النزاهة العلمية، وكان من أبرزهم الباحثة الهولندية إليزابيث بيك، المعروفة بقدرتها على اكتشاف التلاعب في الصور البحثية، وقد راجعت بدورها عدداً من الأوراق، وأكدت وجود مؤشرات قوية تستحق التحقيق. تواصل أيضا مع خبراء آخرين في تحليل الصور الرقمية، رغبة في الوصول إلى أعلى درجة ممكنة من الدقة قبل نشر أي معلومة.
تكشف هذه المرحلة جانباً مهماً من شخصية المؤلف، فهو لا يقدم نفسه بطلاً خارقاً استطاع إسقاط رئيس جامعة بمفرده، بل يوضح أن التحقيق كان ثمرة تعاون بين صحفي شاب وخبراء في مجالات متعددة، وأن قيمة العمل الاستقصائي تكمن في بناء الأدلة خطوة بعد أخرى، بعيداً عن الأحكام المتسرعة.
ومع اقتراب موعد نشر التحقيق الأول، بدأت الضغوط تظهر بصورة واضحة. فالقضية تمس رئيس واحدة من أقوى الجامعات في العالم، والرجل يتمتع بتاريخ علمي طويل، كما سبق أن تولى مناصب تنفيذية في قطاع التكنولوجيا الحيوية. وكان من الطبيعي أن تتحرك المؤسسة للدفاع عن سمعتها، سواء عبر البيانات الرسمية أو المستشارين القانونيين أو شركات العلاقات العامة.
يصف بيكر تلك المرحلة باعتبارها الاختبار الحقيقي لفكرة استقلال الصحافة، فقد وجد نفسه في مواجهة مؤسسة تمتلك إمكانات هائلة، بينما يعمل داخل صحيفة طلابية محدودة الموارد، ومع ذلك كانت قوة التحقيق تعتمد على شيء واحد: الأدلة.
امتدت هذه الضغوط إلى حياته اليومية داخل الجامعة، أصبح اسمه مرتبطاً بالقضية، وتغيرت علاقاته مع عدد من زملائه، بينما رأى آخرون أن نشر التحقيق يسيء إلى سمعة ستانفورد في وقت تتعرض فيه الجامعات الأمريكية لموجة من الانتقادات. ويعترف بيكر بأن تلك الفترة كانت الأصعب في حياته، لأن مواجهة مؤسسة ضخمة تختلف كثيراً عن كتابة مقال نقدي أو تغطية حدث جامعي عادي.
ويكشف الكتاب أن ردود الفعل الأولى داخل الجامعة اتسمت بالحذر الشديد، فبدلاً من فتح تحقيق سريع، حاولت الإدارة التقليل من أهمية الاتهامات، مع التأكيد أن أي أخطاء محتملة لا تعني بالضرورة وجود تزوير متعمد. غير أن استمرار نشر الأدلة، وتوسع دائرة الخبراء الذين راجعوا الأبحاث، جعلا تجاهل القضية أمراً بالغ الصعوبة.
ومن خلال هذه التجربة يناقش بيكر أزمة أوسع تتعلق بالنشر العلمي في العالم المعاصر، فعدد الأبحاث المنشورة يتزايد بصورة هائلة، والجامعات تقيس نجاح الباحثين بحجم الإنتاج العلمي، بينما تعتمد الترقيات والمنح والتمويل في كثير من الأحيان على عدد الأوراق المنشورة وتأثيرها. ويؤدي هذا المناخ إلى ضغوط مستمرة تدفع بعض الباحثين إلى اختصار الطريق أو التغاضي عن أخطاء كان يمكن اكتشافها بسهولة في ظروف أكثر هدوءاً.
ولا يوجه الكاتب الاتهام إلى شخص واحد بقدر ما يوجهه إلى منظومة كاملة أصبحت تكافئ السرعة أكثر من الدقة، وتحتفي بالإنجازات الكبيرة أكثر من مراجعة التفاصيل. ففي بيئة تنافسية شديدة، يتحول النجاح إلى هدف دائم، ويصبح الاعتراف بالخطأ أمراً بالغ الصعوبة، لأن السمعة العلمية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالتمويل والمكانة والنفوذ.
ويتوقف المؤلف عند مفهوم المسؤولية في البحث العلمي، مؤكداً أن اسم الباحث الرئيسي يمنحه سلطة كبيرة داخل الفريق، وفي الوقت نفسه يضع على عاتقه مسؤولية مراجعة النتائج والتأكد من سلامتها. ومن هنا جاءت أهمية قضية تيسير لافين، لأنها فتحت نقاشاً واسعاً حول حدود هذه المسؤولية، ومدى قدرة العلماء الكبار على متابعة كل التفاصيل في المختبرات التي تضم عشرات الباحثين.
ومع اتساع التحقيق، بدأت الصورة تتغير داخل ستانفورد نفسها، فالقضية أصبحت موضوعاً تتناوله وسائل إعلام أمريكية كبرى، ثم دخلت لجان مستقلة على الخط لفحص الأوراق العلمية محل الجدل. وعند هذه النقطة، خرجت القضية من حدود الجامعة، وتحولت إلى اختبار حقيقي لمفهوم النزاهة العلمية داخل المؤسسات الأكاديمية الأكثر شهرة في العالم.
مع تزايد الضغوط الإعلامية والعلمية، اضطرت جامعة ستانفورد إلى تشكيل لجنة مستقلة لمراجعة الأبحاث محل الجدل. وبعد أشهر من الفحص، خلصت اللجنة إلى وجود مشكلات جوهرية في عدد من الدراسات، وأن العمل في مختبر تيسير لافين «دون المستوى المعتاد من الصرامة العلمية»، وهو ما دفعه إلى إعلان استقالته من رئاسة الجامعة في يوليو 2023. وقد نفى تيسير لافين التزوير المتعمد، وأكد في بيانه أنه «لم يقدم ورقة علمية دون أن يؤمن بحزم بأن البيانات كانت صحيحة»، غير أنه تحمّل مسؤولية تجاوزات أشخاص آخرين في مختبره. كانت تلك اللحظة تتويجاً لتحقيق بدأه طالب في عامه الجامعي الأول داخل صحيفة طلابية، وانتهى بإسقاط واحد من أكثر الشخصيات نفوذاً في الوسط الأكاديمي الأمريكي.
لا يتعامل بيكر مع هذه النتيجة باعتبارها انتصاراً شخصياً، فهو يدرك أن القضية أكبر من استقالة رئيس جامعة. فالمشكلة في نظره ترتبط بثقافة مؤسسية تسمح بتراكم النفوذ إلى درجة تجعل مساءلة القيادات أمراً بالغ الصعوبة. وحين تتحول المؤسسة إلى كيان اقتصادي ضخم يرتبط بشبكات التمويل والاستثمار والسياسة، يصبح الدفاع عن السمعة جزءاً من الدفاع عن مصالح مالية وعلمية هائلة.
من هنا ينتقل الكتاب إلى مستواه الفكري الأعمق، حيث يحاول تفسير الكيفية التي تُصنع بها النخبة الجديدة في الولايات المتحدة، يستخدم مفهوم «Dweebocracy»، وهو مصطلح شاع في الصحافة الأمريكية لوصف الطبقة التقنية التي تقود العالم من خلف شاشات الحاسوب ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا. ويقصد به مجموعة من المهندسين والمبرمجين ورواد الأعمال الذين يمتلكون تأثيراً واسعاً في الاقتصاد والسياسة والإعلام، رغم أنهم لم يصلوا إلى مواقعهم عبر المؤسسات الديمقراطية التقليدية.
يرى المؤلف أن هذه النخبة نشأت داخل بيئة تؤمن بأن الابتكار قادر على حل كل المشكلات، وأن التكنولوجيا تمثل الإجابة النهائية عن أسئلة المجتمع. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى فلسفة كاملة ترى أن من يمتلك القدرة على بناء المنصات الرقمية أو تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي يملك أيضاً حق رسم ملامح المستقبل.
ويثير بيكر سؤالاً بالغ الأهمية: هل يكفي التفوق التقني لإدارة عالم شديد التعقيد؟ فالتكنولوجيا تمنح أصحابها أدوات هائلة للتأثير، غير أن هذه الأدوات تحتاج إلى بوصلة أخلاقية تضبط استخدامها. ويشير إلى أن كثيراً من قادة وادي السيليكون يتحدثون عن تغيير العالم، بينما يخصصون مساحة أقل للنقاش حول العدالة الاجتماعية، والخصوصية، والاحتكار، وآثار التكنولوجيا في الديمقراطية وسوق العمل.
ولا يقدم الكاتب هذا النقد من موقع العداء للتكنولوجيا، فهو ينتمي أصلاً إلى هذا العالم، ودرس علوم الحاسوب، وكان يحلم بالعمل في قطاع الابتكار. لهذا تبدو ملاحظاته أكثر إقناعاً، لأنها تصدر عن شخص يعرف البيئة من الداخل، ويعترف بقدرتها على الإبداع، مع رفضه تحويل النجاح الاقتصادي إلى معيار يقاس به كل شيء.
وتتسع دائرة النقد لتشمل العلاقة بين الجامعات الكبرى ورأس المال. فستانفورد، في نظر بيكر، تمثل النموذج الأكثر وضوحاً لهذا التشابك. فالمعامل الأكاديمية تتعاون مع الشركات، والمستثمرون يحضرون إلى الحرم الجامعي بحثاً عن المواهب، والأساتذة ينتقلون بين الجامعة ومجالس إدارة الشركات، والطلاب يعيشون وسط ثقافة تعتبر تأسيس شركة ناشئة إنجازاً يفوق في قيمته كتابة كتاب أو إنتاج بحث علمي طويل الأمد.
هذه الصورة لا تعني أن الجامعة فقدت مكانتها العلمية، فستانفورد ما تزال من أهم مؤسسات البحث في العالم، غير أن الكتاب يلفت الانتباه إلى تغير الأولويات. فالمنافسة على التمويل، والسباق نحو الابتكار التجاري، والارتباط الوثيق بوادي السيليكون، كلها عوامل أعادت تشكيل طبيعة الجامعة ودورها في المجتمع الأمريكي.
ومن أكثر ما يميز الكتاب ابتعاده عن الأحكام القطعية. فبيكر لا يهاجم ستانفورد باعتبارها مؤسسة فاسدة، ولا يصورها نموذجاً مثالياً تعرض لحادثة عابرة. إنه يفضل النظر إليها بوصفها مرآة لتحولات أوسع يعيشها التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين، حيث تتراجع الحدود بين الجامعة والسوق، ويتحول الباحث إلى مدير مشروع، ويصبح الطالب جزءاً من منظومة اقتصادية تمتد خارج أسوار الحرم الجامعي.
وعلى المستوى الأدبي، نجح المؤلف في الجمع بين السرد الشخصي والتحليل السياسي والتحقيق الصحفي. فالفصول تتحرك بإيقاع سريع، وتنتقل من المواقف اليومية إلى الأسئلة الكبرى دون افتعال، كما يعتمد الكاتب على لغة واضحة تخلو من التعقيد الأكاديمي، وهو ما يجعل الكتاب قريباً من القارئ العام، رغم تناوله قضايا تتعلق بالنشر العلمي والبحث الأكاديمي وآليات التمويل.
وتظهر قيمة الكتاب أيضاً في الطريقة التي يعيد بها الاعتبار للصحافة الطلابية. فقد أثبتت تجربة صحيفة Stanford Daily أن المؤسسات الإعلامية الصغيرة تستطيع أداء دور بالغ الأهمية عندما تتوافر لها الاستقلالية والالتزام بالمعايير المهنية. فالسبق الصحفي في هذه القضية لم يتحقق بفضل الإمكانات المالية أو العدد الكبير من المحررين، بل جاء نتيجة الصبر في جمع الوثائق، والحرص على مراجعة كل معلومة، والاستعانة بالخبراء قبل النشر.
ويحمل هذا الدرس أهمية خاصة في زمن تتعرض فيه الصحافة لضغوط اقتصادية متزايدة، وتنتشر فيه المعلومات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على التحقق منها. فبيكر يذكر القارئ بأن جوهر العمل الصحفي ما يزال قائماً على سؤال بسيط: أين الحقيقة؟ وأن الوصول إلى الإجابة يحتاج إلى وقت وشجاعة أكثر مما يحتاج إلى الإمكانات الضخمة.
يترك هذا الكتاب انطباعاً يتجاوز حدود قصة طالب كشف فضيحة داخل جامعته، فهو كتاب عن السلطة حين تتخفى خلف المكانة العلمية، وعن المعرفة حين تصبح سلعة، وعن الجامعات التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين رسالتها الأكاديمية ومتطلبات السوق، كما يقدم دعوة لإعادة التفكير في مفهوم النجاح داخل المؤسسات التعليمية، وفي طبيعة العلاقة بين العلم والمال، وفي المسؤولية الأخلاقية التي تلازم كل من يمتلك القدرة على التأثير في حياة الآخرين.