رسيني الرسيني
يختزل الميزان التجاري عادةً في حجم الفائض أو العجز، لكنه في الحقيقة يشبه صورة الأشعة للاقتصاد، فهو لا يخبرنا فقط بما صدرته الدولة وما استوردته، وإنما يكشف أيضًا كيف يتغير هيكل الإنتاج، ومدى قدرة الاقتصاد على المنافسة، وحجم القيمة التي يضيفها قبل أن تصل المنتجات إلى الأسواق العالمية. ولهذا فإن قراءة فائض الميزان التجاري السعودي اليوم تختلف كثيرًا عن قراءته قبل عقد من الزمن لأن الفائض لم يعد انعكاسًا لسعر النفط وحده، وإنما أصبح مرآة لتحولات أوسع تقودها رؤية 2030 نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على تنويع الصادرات.
على مدى عقود، ارتبط فائض الميزان التجاري السعودي بحركة أسواق النفط العالمية، فكلما ارتفعت الأسعار اتسع الفائض، وكلما تراجعت انخفضت قيمته، لأن النفط كان يمثل المحرك الرئيس للصادرات، أما اليوم فقد بدأت ملامح مختلفة تتشكل، ولعل من أبرز المؤشرات على تغير جودة التجارة الخارجية، نمو إعادة التصدير من نحو 14 مليار ريال قبل إطلاق الرؤية إلى 61 مليار ريال في عام 2024م، وهو ما يعكس اتساع مساهمة الأنشطة الاقتصادية الأخرى في التجارة الخارجية، ولا يعني ذلك تراجع أهمية النفط، وإنما يدل على أن الاقتصاد السعودي أصبح يبني مصادر إضافية للفائض التجاري، بما يعزز مرونته ويمنحه قدرة أكبر على التكيف مع تغيرات الأسواق العالمية.
وبالتالي السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية لا يتمثل في حجم الفائض، وإنما في جودة هذا الفائض، فهناك فائض ينشأ نتيجة ارتفاع أسعار سلعة واحدة، وهناك فائض ينتج عن اقتصاد قادر على التصنيع والتصدير وإعادة التصدير وإضافة القيمة قبل وصول المنتجات إلى الأسواق الدولية. والنوع الثاني أكثر استدامة لأنه يعكس تحسنًا في الإنتاجية والتنافسية، وليس مجرد دورة سعرية مؤقتة، ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى توسع الصناعات والخدمات، وازدياد دور المناطق الاقتصادية والموانئ، بوصفها عوامل تعيد تشكيل مصادر الفائض التجاري السعودي، وكلما ازدادت مساهمة هذه الأنشطة، أصبح الفائض أقل حساسية لتقلبات أسواق الطاقة، وأكثر ارتباطاً بكفاءة الاقتصاد وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا في هيكل التجارة السعودية.
ومن أجل ذلك، لن يقاس نجاح الاقتصاد السعودي باستمرار تحقيق فائض في الميزان التجاري فحسب، وإنما بقدرته على تحسين نوعية هذا الفائض عامًا بعد عام. فكل زيادة في مساهمة الصناعة، والخدمات اللوجستية، وإعادة التصدير، والمنتجات ذات القيمة المضافة، تعني أن الفائض أصبح يستند إلى قاعدة اقتصادية أوسع وأكثر استقرارًا، وهذا هو التحول الحقيقي الذي تستهدفه الرؤية من خلال اقتصاد يولد فوائضه من تنوع مصادر الإنتاج، وليس من تقلبات الأسواق وحدها، الأمر الذي يعزز من قدرة المملكة على بناء اقتصاد أكثر استدامة ومرونة في مواجهة المتغيرات الدولية، مع الحفاظ على مكانتها بوصفها شريكا موثوقا في الاقتصاد العالمي.
حسنًا، ثم ماذا؟
عندما يصبح الفائض التجاري انعكاسًا لقوة إنتاجية الاقتصاد وتنافسيته العالمية، فإنه يتحول من مؤشر مالي دوري إلى دليل على نجاح عملية التحول الاقتصادي.