أحمد الأسمري
منذ توحيد المملكة، مضت العناية بالأشخاص ذوي الإعاقة في مسار متصاعد، بدأ بالرعاية والتعليم المتخصص، ثم اتسع بإنشاء المعاهد والبرامج، وتطوير خدمات القياس والتشخيص والتأهيل والتدخل المبكر، والتوسع في الدمج.
واكتسبت المسيرة أفقاً أرحب مع رؤية المملكة 2030، عبر التعليم الشامل، وتكافؤ الفرص، وجودة الحياة، وسهولة الوصول والاندماج. وجاء «نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة» بمثابة قفزة نوعية؛ إذ عزز الانتقال من تقديم الخدمة بحسب المتاح إلى تثبيت الحق، وأكد أهمية إزالة العوائق التي تحد من مشاركة ذوي الإعاقة في المجتمع.
وصدر مؤخراً، بقرار من وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان، الدليل التنظيمي الجديد لبرامج ذوي الإعاقة للعام الدراسي 1448-1449هـ، بعد أكثر من عقد على سابقه.
رحلة الطالب
اهتم الدليل السابق بالهياكل والارتباطات واللجان والنماذج وتفاصيل المهام. وكانت تلك العناية مفهومة آنذاك، كما تضمن مبادئ متقدمة، مثل البيئة الأقل تقييداً، أي تعليم الطالب مع أقرانه قدر الإمكان، والبرنامج الفردي ومشاركة الأسرة.
ويأتي الدليل الجديد امتداداً لتجربة تراكمت، لكنه أعاد ترتيب أولوياتها. وأبرز تحول فيه انتقال الاهتمام من تنظيم المؤسسة إلى متابعة رحلة الطالب: الكشف، والإحالة، والتقييم، وتحديد الأهلية والمكان والخدمات المناسبة، ثم تقديم الخدمة ومتابعتها.
فالتشخيص لا يغلق الملف، والمكان التعليمي لا يظل ثابتاً بالضرورة؛ إذ تتغير الاحتياجات والخدمات مع تقدم الطالب.
الحقوق والتعريف
جمع الدليل بين التشخيص الدقيق لتحديد الأهلية والخدمات، ولغة حقوقية تهتم بإمكانية الوصول والتقنيات المساعدة والخدمات الانتقالية والشراكة المجتمعية. وهذا توازن مهم؛ فحماية الحق لا تلغي معرفة حالة الطالب واحتياجاته، والتشخيص لا ينبغي أن يحصر النظر في جوانب القصور.
ويظهر هذا التوازن في تعريف الطالب ذي الإعاقة، الذي يربط الاضطراب أو القصور بالحاجة إلى خدمات تعليمية ومساندة. وكان يمكن تعزيز اتساقه باستبدال عبارة «معالجة القصور» بتعبير أوسع، مثل «تلبية الاحتياجات والحد من أثر العوائق»؛ لأن المسؤولية تشمل تهيئة المدرسة والمنهج والتقنية لتمكين الطالب.
البرنامج الفردي
يمثل البرنامج التعليمي الفردي إحدى أقوى ركائز الدليل؛ إذ قدّمه خطة مكتوبة تنظم عمل الفريق بمشاركة الأسرة، وتضم الخطط الأسرية والتعليمية والمساندة والانتقالية.
ويبدأ بوصف مستوى الأداء ونقاط القوة ومواطن الاحتياج، ثم يحدد أهدافاً قابلة للقياس، والخدمات والمسؤولين عنها، ووسائل التقويم. كما حدد إعداده خلال أسبوعين من استلام نتائج التقييم، والبدء في تنفيذه خلال أسبوع، وأكد مشاركة الأسرة.
وبذلك يصبح البرنامج خطة عمل، لا نموذجاً يحفظ في الملف. ويبقى التحدي في ألا يتحول، تحت ضغط كثرة الحالات، إلى أوراق متشابهة وتوقيعات مكتملة من دون أثر حقيقي.
ومنح الدليل الأسرة حضوراً واضحاً؛ فهي شريك في القرار، ومعرفتها بتاريخ الطفل واحتياجاته لا يستغني عنها الفريق. وظهر صوت الطالب في إجراءات الانتقال، ويستحق أن يمتد إلى مراحل القرار الأخرى وفق عمره وقدرته وطريقة تواصله.
دقة التشخيص
وضع الدليل نطاقات محددة لدرجات الذكاء في بعض الفئات، بما يساعد على توحيد التصنيف والحد من تفاوت الاجتهادات وازدواجية القرارات. كما لم يجعل الدرجة وحدها أساساً للإعاقة الفكرية، بل ربطها بالسلوك التكيفي، أي مهارات الحياة اليومية والتواصل والتعامل مع الآخرين.
غير أن عدالة هذه الحدود ترتبط بدقة التشخيص النفسي؛ فالدرجة قد تتأثر بحالة الطفل الصحية والنفسية، وفهمه للتعليمات، وتمكن المختص، واختيار المقياس المناسب، والوقت المتاح للفحص. ولهذا يحتاج التطبيق إلى منح المختص الوقت الكافي، وتهيئة الطفل، والاستعانة بالملاحظة وتقارير الأسرة والمدرسة، حتى لا يختزل الطالب في نتيجة قد لا تعكس قدراته الحقيقية.
وتزداد الدقة بمراعاة ظروف نشأة الطفل وتعلمه؛ فضعف البيئة اللغوية، وقلة فرص التعلم، والغياب، والظروف الصحية أو الأسرية والاقتصادية قد تؤثر في التحصيل والمهارات. وقد تنبه الدليل إلى هذه العوامل عند تحديد صعوبات التعلم، وإلى عوامل الخطر البيئية في التدخل المبكر. ومن المهم أن تصبح دراستها جزءاً واضحاً من جميع إجراءات التقييم، حتى لا يُنسب أثر البيئة إلى إعاقة لا توجد، أو تحجب الظروف البيئية إعاقة حقيقية.
مراكز الخدمات المساندة
من أبرز التحولات إدخال مراكز الخدمات المساندة في صلب البناء التنظيمي، بعد أن نظمها الدليل السابق في ملحق مستقل. وحدد خدمات تشمل اللغة والكلام، والعلاج الوظيفي والطبيعي، والخدمات النفسية الإكلينيكية، أي التقييم والعلاج النفسي المتخصص، إلى جانب الخدمات الاجتماعية والسمعية والبصرية والتمريضية والممتدة والاستشارات.
ويمنح هذا التنظيم المركز دوراً يتجاوز استقبال الحالات، ليصبح بيت خبرة يدعم الأسرة والمدرسة. وتنقل «الخدمات الممتدة» خبرة المركز إلى البيئة التعليمية، فلا تنتهي علاقته بالحالة عند إصدار التقرير.
ووسّع دائرة المستفيدين لتشمل طلاب التعليم العام وذوي الإعاقة، والأطفال في سن التدخل المبكر، والأسر. كما أسند التقييم إلى مراكز الخدمات المساندة والمراكز المعتمدة، لكن قائمة الخدمات العشر لم تبرز القياس والتشخيص مجالاً مستقلاً، مع وجود المهمة في مواضع أخرى.
وقسّم المراكز إلى فئتي «أ» للخدمات المتكاملة و«ب» للخدمات الأساسية، وربط التصنيف أساساً بأعداد الطلاب. غير أن المساحة الجغرافية، وحجم الإحالات، وقوائم الانتظار، وتوافر الخدمات ومقدميها عوامل مؤثرة أيضاً.
وكان الدليل السابق أكثر تفصيلاً في التشغيل وإدارة الحالات والإحالة. وتجاوز الجديد بعض القيود، لكنه اختصر تفاصيل تحتاج إلى بدائل حديثة، مثل إدارة رحلة الحالة، والفروق بين الخدمات، ومدد الانتظار والتقييم، وحدود الاختصاص. كما تحتاج الشراكة مع القطاعين الخاص وغير الربحي إلى ضوابط واضحة للاعتماد والجودة وسرية البيانات.
المعلم والإحالة
يُحسب للدليل تأكيده التنمية المهنية، ودعم الهيئة التعليمية في التدريس والتعامل مع الطلاب، وإسناد التوعية والمشورة إلى المختصين. غير أن الميدان يحتاج إلى برامج تدريبية مستمرة لمعلمي ومعلمات التعليم العام حول مؤشرات الإعاقة، وآلية الإحالة، والتعامل مع الحالات المشتبه بها.
فقد تؤدي قلة المعرفة أحياناً إلى التسرع في إحالة طالب كثير الحركة، أو ضعيف الفهم، أو متأخر التحصيل، قبل تجربة التدخلات التعليمية المناسبة ومعرفة الأسباب الحقيقية لصعوبته. والإحالة الدقيقة تحمي الطالب من تصنيف لا ينطبق عليه، وتحفظ حق الطالب ذي الإعاقة في الوصول المبكر إلى الخدمة.
وبصورة عامة، يستلزم تدريب الكوادر المتخصصة وغير المتخصصة تعزيزاً مستمراً يشمل مختلف المستويات والمواقع، عبر برامج وورش عمل حضورية وإلكترونية، ولقاءات دورية ومواد إرشادية واضحة. فالتدريب يرفع الكفاية المهنية، ويشرح التعليمات ومستجدات التنظيم، ويحد من تفاوت التطبيق. وتزداد الحاجة إليه مع إعادة تنظيم إدارات التعليم وما ترتب على إلغاء إدارات المحافظات وارتباطها بإدارات عامة أبعد جغرافياً، حتى لا تتحول المسافة أو قلة الزيارات إلى فجوة في الإشراف والدعم.
مفاهيم تنتظر التنفيذ
أفرد الدليل مساحة للمراحل الانتقالية، فنص على اجتماع بين المكانين السابق والجديد، ونقل البرنامج والتقارير، وزيارة البيئة الجديدة، واستمرار الخدمات المساندة وعدم تغييرها إلا بناء على تقييم الفريق وموافقة ولي الأمر. وهذه معالجة مهمة لمشكلة فقد الخدمة عند الانتقال.
وأجاز للمدارس الأهلية والعالمية المؤهلة رفع نسبة قبول الطلاب ذوي الإعاقة في الدمج الكلي من 25 إلى 40 %، وربطها بالاعتماد والجاهزية والكادر المتخصص وتقليل كثافة الفصول. وهو تنظيم إيجابي، لكن نجاح الدمج يظهر في التعلم والمشاركة والانتماء والوصول إلى الدعم، لا في ارتفاع نسبة القبول وحدها.
واعتنى الدليل بالتعليم الإلكتروني والمستمر، ومشاركة الأسر، والاستعداد لما بعد المرحلة الثانوية. واهتم بإمكانية الوصول والتقنيات المساعدة، لكنه لم يمنح «التصميم الشامل للتعلم» تنظيماً صريحاً؛ أي إعداد المحتوى والتدريس والتقويم منذ البداية بوسائل متنوعة تناسب أكبر عدد من المتعلمين. ويحتاج التعليم الإلكتروني أيضاً إلى معايير أدق لسهولة الوصول إلى المحتوى، كما هي حاجة الميدان إلى معالجة بعض الصعوبات في التصنيف والإحداث في نظام نور.
وعرّف الدليل نظام الدعم متعدد المستويات، وهو دعم يتدرج حسب حاجة الطالب، لكن حضوره بقي أقرب إلى التعريف، من دون تفصيل مستوياته ومدد التدخل ومعايير الانتقال بينها.
وتشير المقدمة إلى الاستناد إلى مصادر وتشريعات محلية، لكن الدليل لا يتضمن قائمة مستقلة بالمراجع العلمية والتنظيمية كما فعل سابقه. والتوثيق يوضح الأسس التي بنيت عليها الأرقام والنسب والمدد، ويساعد على مراجعتها وتحديثها.
الموافقة والاعتراض
اعتبار عدم رد ولي الأمر خلال المدة المحددة إذناً بإجراء التقييم يعالج مشكلة ميدانية حقيقية؛ فقد تبقى حالات معلقة بسبب عدم استجابة الأسرة، ويضيع على الطفل وقت ثمين. غير أن حمايته من التعطيل ينبغي أن تتوازن مع ضمان الموافقة المستنيرة، أي الموافقة بعد فهم الإجراء وآثاره.
ووضع الدليل مساراً يبدأ بالتوعية، ثم النظر في أسباب الرفض على مستوى إدارة التعليم، وينتهي عند الرفض التام بالإحالة إلى الجهة المختصة بحماية الطفل. ويمكن تطويره بإتاحة رأي ثانٍ، أو لجنة اعتراض محايدة قبل الإحالة، ما لم تظهر قرائن فعلية على تعرض الطفل للضرر.
الميدان القادر
تتوقف فاعلية الدليل على قدرة الميدان؛ فالخدمات تحتاج إلى مبانٍ مهيأة، وغرف للتقييم والعلاج، وأجهزة تخضع للصيانة وفحص الدقة، ومنصات ميسرة، ونقل ملائم.
وتبقى الكوادر البشرية التحدي الأكبر؛ فتحويل التشكيلات المقترحة إلى فرق عاملة يتطلب الاستقطاب والتدريب والتوزيع العادل. ولا يكفي وجود المسمى في الهيكل إذا بقي شاغراً، أو تحمل المختص أعداداً تفوق قدرته، أو طالت قوائم الانتظار حتى فقد التدخل المبكر قيمته.
ويحتاج التطبيق إلى مؤشرات تقيس زمن الانتظار، وسرعة إنجاز التقييم، وانتظام الخدمات، ومدى تحقق أهداف البرنامج الفردي، ورضا الأسر والطلاب. فالتقرير والجلسة والخطة وسائل، أما المعيار الحقيقي فهو ما تغير في تعلم الطالب وتواصله واستقلاله ومشاركته.
عام التطبيق
ومن أبرز ما يسجل للدليل نصه على مراجعته وتقييمه بعد عام دراسي من التطبيق. ويستحق مسؤولو الإدارة العامة لبرامج ذوي الإعاقة، وعلى رأسهم الدكتورة حصة آل مشعان، الإشادة بهذا التوجه، وبما أظهروه من عناية وإتقان في إعداد الدليل. فمهما بلغت جودة أي دليل تنظيمي، يظل التطبيق الميداني قادراً على كشف جوانب تحتاج إلى توضيح أو تطوير. وتزداد قيمة هذه المراجعة إذا استندت إلى البيانات والاستطلاعات والزيارات، واستمعت إلى المختصين وقادة المدارس والمراكز والأسر والطلاب ذوي الإعاقة. وستكشف النتائج وضوح الأدوار، وكفاية الكوادر، وملاءمة المقرات، وفاعلية الخدمات، وحجم التفاوت بين المناطق والمحافظات.
لقد قطعت المملكة مسافة طويلة من تأسيس خدمات ذوي الإعاقة إلى توفير منظومة متكاملة لحقوقهم وتمكينهم، ويأتي الدليل محطة مهمة في هذه الرحلة. وستظهر قيمته عندما تصل الخدمات في وقتها، ويقدم التقييم فهماً شاملاً للطالب، ويحقق البرنامج الفردي تقدماً ملموساً، ويصل المركز بخبرته إلى المدرسة، ويمنح الدمج الطالب تعلماً ومشاركة وانتماء.
ويعزز هذا الطموح صدور نظام التعليم العام الجديد، بما منحه لتعليم ذوي الإعاقة من حضور واضح. وستعطي مراجعة الدليل بعد عام التطبيق فرصة لتطوير ما يحتاج إلى تطوير، واستمرار مواكبته لما يهيئه الوطن للأشخاص ذوي الإعاقة من سبل التعلم والتفاعل والنجاح.