د.شريف بن محمد الأتربي
لم يعد نجاح الأنظمة التعليمية في القرن الحادي والعشرين يقاس بعدد المدارس، أو كثافة المناهج، أو نسب النجاح في الاختبارات، بل بقدرتها على إعداد إنسان يفكر، ويبدع، ويبتكر، ويحول المعرفة إلى حلول تعالج مشكلات المجتمع وتصنع مستقبله.
فالمعرفة اليوم أصبحت متاحة للجميع، ولم تعد الميزة التنافسية في امتلاكها، وإنما في القدرة على توظيفها وإعادة إنتاجها بصورة أكثر إبداعًا وفاعلية. ولهذا تحولت رسالة التعليم في الدول الأكثر تميزًا إلى تعليم الطالب كيف يفكر، وكيف يحلل، وكيف يبتكر، وكيف يحول الأفكار إلى أثر.
ومن هذا المنطلق برزت فلسفة STEAM التي تجمع بين العلوم، والتقنية، والهندسة، والفنون، والرياضيات في منظومة تعليمية واحدة، لا تهدف إلى تدريس هذه التخصصات بصورة منفصلة، وإنما إلى دمجها في مشروعات واقعية تجعل الطالب يوظف ما تعلمه لمعالجة تحديات حقيقية يواجهها وطنه ومجتمعه.
فالمخرج الحقيقي لمنهجية STEAM ليس ارتفاع درجات الطلاب في الاختبارات، وإنما قدرتهم على تصميم حل، أو تطوير منتج، أو ابتكار خدمة، أو تأسيس مشروع يضيف قيمة للمجتمع. فالطالب الذي يصمم نظامًا لترشيد استهلاك المياه، أو يطور وسيلة تساعد ذوي الإعاقة، أو يبتكر تطبيقًا يرفع جودة الحياة، أو يقدم حلًا لتحدٍ بيئي أو صحي، هو الطالب الذي نجح التعليم في تحقيق غايته معه.
ولهذا لم تعد الدول المتميزة تعليمياً تقيس جودة مدارسها بعدد الحصص الدراسية أو نسب النجاح فقط، بل بما يقدمه طلابها من حلول واقعية للتحديات الوطنية.
ففي سنغافورة ترتبط مشروعات الطلاب بقضايا الأمن المائي والاستدامة والمدن الذكية، ويشارك الطلاب في تصميم حلول عملية بالتعاون مع الجامعات والجهات الحكومية.
وفي فنلندا يعتمد التعليم على التعلم القائم على الظواهر، حيث يدرس الطلاب القضايا المجتمعية من خلال دمج العلوم والرياضيات والتقنية والفنون في مشروع واحد ينتهي بحل قابل للتطبيق.
أما كوريا الجنوبية فقد ربطت المدارس بالجامعات والصناعة ومراكز الأبحاث، وأصبحت المدرسة بيئة لإنتاج المعرفة، وليس فقط لنقلها.
وفي الولايات المتحدة تحولت مختبرات التصنيع المدرسية، وبرامج الروبوت، ومعارض العلوم والهندسة، وحاضنات الابتكار، إلى بيئات خرج منها آلاف الابتكارات التي تطورت إلى براءات اختراع وشركات ناشئة ومنتجات تخدم المجتمع.
والقاسم المشترك بين هذه التجارب أن الابتكار لم يكن نشاطًا مدرسيًا، ولا مسابقة موسمية، ولا برنامجًا لفئة محددة، بل أصبح مخرجًا تعليميًا تقوده منظومة وطنية متكاملة، لها سياسات، وحوكمة، وتمويل، وشراكات، ومؤشرات أداء، وتقارير دورية تقيس أثرها.
ومن هنا تكتسب اللائحة المنظمة للتعليم العام أهمية كبيرة، عندما أكدت أهمية الابتكار بوصفه أحد مرتكزات العملية التعليمية، وهو توجه يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ويضع الأساس النظامي لمرحلة جديدة من تطوير التعليم.
ومن الإنصاف أن نقول إن الابتكار لم يكن غائبًا يومًا عن التعليم السعودي.
فقد شهدت مدارس المملكة، وإدارات التعليم، ومعلموها، وطلابها، عشرات المبادرات الابتكارية، وحقق أبناء الوطن إنجازات عالمية في العلوم والهندسة والروبوت والبحث العلمي، كما قدمت مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع (موهبة) نموذجًا وطنيًا رائدًا في اكتشاف ورعاية الموهوبين، وأسهمت في صناعة قصص نجاح يعتز بها الجميع.
غير أن معظم هذه النجاحات جاءت نتيجة مبادرات فردية، أو جهود مدارس ومعلمين وإدارات تعليم متميزة، أكثر من كونها مخرجات لمنظومة وطنية متكاملة تضمن أن يحظى كل طالب، وكل معلم، وكل إداري بالفرصة نفسها لطرح أفكاره، وتطويرها، واحتضانها، وتحويلها إلى حلول ذات أثر.
واليوم تمثل اللائحة المنظمة للتعليم العام فرصة تاريخية للانتقال من ثقافة المبادرات الفردية إلى ثقافة المنظومة المؤسسية، ومن الاحتفاء بالابتكار إلى إدارته، ومن تشجيع الأفكار إلى بناء منظومة وطنية لصناعتها واستدامتها.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري:
كيف نحول الابتكار من نص تنظيمي إلى مخرج تعليمي قابل للقياس؟
الإجابة تبدأ ببناء المنظومة الوطنية للابتكار في التعليم العام، وهي منظومة لا تقتصر على الطلاب، بل تشمل الطالب، والمعلم، والإداري، وقائد المدرسة، وإدارة التعليم، وجميع شركاء العملية التعليمية.
وتقوم هذه المنظومة على ثماني مرتكزات رئيسة:
أولًا: سياسة وطنية للابتكار في التعليم العام تحدد المفهوم، والأهداف، والأدوار، والحوكمة، وآليات التنسيق بين جميع الجهات ذات العلاقة.
ثانيًا: إطار وطني للكفايات الابتكارية يحدد المهارات التي ينبغي أن يكتسبها الطالب والمعلم والإداري في كل مرحلة تعليمية، بحيث تصبح مهارات التفكير التصميمي، وحل المشكلات، والبحث، وريادة الأعمال، والعمل الجماعي، جزءًا من نواتج التعلم.
ثالثًا: دمج الابتكار في المناهج من خلال تبني فلسفة STEAM والتعلم القائم على المشروعات، وربط جميع المواد الدراسية بقضايا المجتمع وتحدياته التنموية، ليصبح التعلم وسيلة لإنتاج الحلول، وليس مجرد اكتساب المعرفة.
رابعًا: بناء بيئات الابتكار عبر إنشاء مختبرات تصنيع، ومساحات ابتكار، ومعامل روبوت وذكاء اصطناعي، وحاضنات مدرسية، وشراكات مع الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الخاص، لتصبح المدرسة بيئة لإنتاج المعرفة.
خامسًا: بناء القدرات من خلال تأهيل المعلمين وقادة المدارس والإداريين في مجالات إدارة الابتكار، والتفكير التصميمي، وريادة الأعمال، وإدارة المشروعات، وتحويل الأفكار إلى تطبيقات عملية.
سادسًا: إدارة الابتكار بإنشاء وحدات للابتكار في المدارس ترتبط بإدارات التعليم، وترتبط جميعها بمنصة وطنية داخل الوزارة، بما يضمن انتقال الأفكار من المدرسة إلى مرحلة الاحتضان والتطوير.
سابعًا: المنصة الوطنية للابتكار التعليمي لتوثيق جميع الابتكارات، وتقييمها، واحتضانها، وربطها بالجامعات، وحاضنات الأعمال، والقطاع الخاص، والجهات المستفيدة، حتى لا تضيع أي فكرة واعدة بسبب انتقال طالب أو تقاعد معلم أو تغير إدارة.
ثامنًا: التقرير الوطني للابتكار في التعليم العام الذي يصدر سنويًا، ويعرض مستوى نضج الابتكار، وأبرز الإنجازات، والتحديات، وقصص النجاح، ومؤشرات الأداء، وأثر الابتكارات في التنمية الوطنية.
ولن تحقق هذه المنظومة أهدافها ما لم تعتمد مؤشرات أداء وطنية واضحة، تقيس عدد الطلاب المشاركين في المشروعات الابتكارية، وعدد النماذج الأولية، والبراءات، والشركات الناشئة، والحلول التي عالجت تحديات وطنية، إضافة إلى قياس الابتكار لدى المعلمين والإداريين، ومؤشر نضج الابتكار في المدارس وإدارات التعليم، ومدى إسهام هذه الجهود في تحقيق مستهدفات التنمية.
كما ينبغي أن تمر جميع الأفكار بدورة حياة واضحة تبدأ برصد التحديات، ثم توليد الأفكار، فالتقييم، فالاحتضان، فتطوير النموذج الأولي، ثم التجريب، والتحسين، والتطبيق، وقياس الأثر، والتوسع، حتى يصبح الابتكار عملية مؤسسية مستمرة، لا نشاطًا موسميًا.
إن المدرسة اليوم لا ينبغي أن تكون مكانًا يتلقى فيه الطالب المعرفة فقط، بل يجب أن تصبح المكان الذي يتعلم فيه كيف يشارك في صناعة مستقبل وطنه.
ولماذا لا تتحول تحديات المياه، والطاقة، والاستدامة، والذكاء الاصطناعي، والصحة، والأمن السيبراني، والسياحة، والثقافة، وجودة الحياة، والخدمات الحكومية، إلى مشروعات تعليمية يعمل عليها الطلاب داخل مدارسهم؟
ولماذا لا يكون لكل مدرسة بنك للتحديات المرتبطة بمجتمعها المحلي، ولكل إدارة تعليم أولويات ابتكارية، ثم تُجمع جميع الأفكار في منصة وطنية واحدة، لتتحول المدرسة إلى شريك مباشر في التنمية الوطنية؟
لقد حققت رؤية المملكة 2030 نقلات نوعية في مختلف القطاعات، وأثبتت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان. وعندما سُئل صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله: -ماذا بعد 2030؟ كانت إجابته «2040»، وهي رسالة تؤكد أن التخطيط للمستقبل لا يتوقف عند تحقيق مستهدفات رؤية، بل يبدأ بالاستعداد لما بعدها.
وهنا تبرز مسؤولية التعليم.
فطلاب اليوم هم قادة المملكة في عام 2040، وما يواجهه الوطن من تحديات اليوم ينبغي أن يصبح جزءًا من تعلمهم، ليشاركوا منذ الآن في صناعة الحلول، ويعتادوا أن يكونوا شركاء في البناء، لا متلقين للمعرفة فقط.
إن تفعيل الابتكار في التعليم العام ليس مشروعًا تربويًا فحسب، بل مشروع وطني لإعداد الجيل الذي سيقود المملكة في العقود القادمة.
وعندما يصبح لكل طالب مشروع ابتكاري، ولكل معلم مبادرة تطوير، ولكل إداري فكرة تحسين، ولكل مدرسة بيئة احتضان، ولكل إدارة تعليم منظومة دعم، وعندما تتحول الأفكار إلى حلول، والحلول إلى منتجات، والمنتجات إلى قيمة اقتصادية واجتماعية، سنكون قد انتقلنا من تضمين الابتكار في اللائحة المنظمة للتعليم العام إلى بناء منظومة وطنية تجعل الابتكار ثقافة، والتعليم محركًا للتنمية، والمدرسة مصنعًا للعقول التي ستقود المملكة نحو عام 2040 وما بعده.