د. عبدالمحسن الرحيمي
في مقال سابق تناولنا كيف أصبحت الجامعة أصلًا وطنيًّا، وأن التحدي لم يعد في بناء الأصول فقط، بل في تعظيم القيمة الناتجة عنها. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: كيف تنتقل الجامعات من إنتاج المعرفة إلى صناعة التأثير؟
فقد أصبحت الجامعات حول العالم تنتج كميات هائلة من المعرفة؛ آلاف الأبحاث، وبراءات الاختراع، والخريجين، والمشروعات العلمية. ومع ذلك، فإن الفارق الحقيقي بين جامعة وأخرى لا يكمن في حجم الإنتاج وحده، بل في قدرتها على بناء المسار الذي ينقل هذا الإنتاج من البيئة الأكاديمية إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
فالمعرفة لا تتحول إلى قوة بمجرد إنتاجها، وإنما عندما تجد طريقها إلى التطبيق. والبحث العلمي لا يكتمل أثره عند النشر فقط، بل عندما يتحول إلى تقنية أو حل أو سياسة أو منتج يخدم الإنسان والمجتمع. والخريج لا يمثل نجاح الجامعة بمجرد حصوله على الشهادة، بل عندما يصبح قادرًا على قيادة قطاع، أو تأسيس مشروع، أو إنتاج معرفة جديدة تضيف إلى الاقتصاد الوطني.
ومن هنا يظهر الفرق بين جامعة تنتج المعرفة وجامعة تحول المعرفة إلى أثر. فالجامعة المنتجة تهتم بحجم المخرجات، بينما تهتم الجامعة المؤثرة بالمسار الذي تنتقل فيه هذه المخرجات إلى قيمة حقيقية في الاقتصاد والمجتمع. فهي لا تكتفي بعدد الأبحاث المنشورة، بل تبحث عن أثر هذه الأبحاث، ولا تكتفي بعدد الخريجين، بل تهتم بالدور الذي يؤدونه في بناء المستقبل.
ولا يعني الانتقال من الإنتاج إلى التأثير التقليل من أهمية التعليم أو البحث العلمي، بل إعادة وضعهما داخل منظومة أوسع تجعل المعرفة بداية رحلة وليست نهايتها. فالتحدي الحقيقي للجامعات الحديثة هو بناء رحلة القيمة المعرفية؛ وهي المسار الذي تنتقل فيه الفكرة من الاكتشاف العلمي إلى التطبيق، ومن المختبر إلى السوق، ومن المشروع البحثي إلى أثر اقتصادي أو اجتماعي مستدام.
وقد مرت الجامعة عبر تاريخها بتحولات كبرى. ففي القرن التاسع عشر أسهم نموذج فيلهلم فون هومبولت في ترسيخ مفهوم الجامعة البحثية، حيث أصبح إنتاج المعرفة العلمية جزءًا أساسيًّا من رسالة الجامعة. ثم ظهر نموذج الجامعة الريادية الذي ارتبط بأعمال هنري إتزكوفيتز وبيرتون كلارك، حيث توسعت رسالة الجامعة لتشمل الابتكار وريادة الأعمال والشراكات مع الصناعة.
أما المرحلة المقبلة فتتجاوز الجامعة البحثية والجامعة الريادية معًا؛ لأن العالم لا يحتاج فقط إلى مؤسسات تنتج المعرفة أو تحولها إلى ابتكار، بل إلى جامعات قادرة على بناء منظومات متكاملة تضمن وصول المعرفة إلى حيث تصنع أثرًا حقيقيًّا. ويزداد هذا التحول أهمية مع صعود الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتقنيات العميقة، حيث أصبحت القدرة على تحليل البيانات، وتسريع الاكتشافات، وربط الباحثين بالتحديات الواقعية، من أهم محددات قدرة الجامعة على التأثير.
فالذكاء الاصطناعي لا يمثل مجالًا علميًّا جديدًا فقط، بل يمثل طبقة استراتيجية تعيد تشكيل طريقة عمل الجامعة نفسها؛ من تحديد الأولويات البحثية، إلى توجيه الاستثمارات، إلى تحليل النتائج، وبناء قرارات أكثر دقة واستباقية.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه الجامعات اليوم ليس: كيف ننتج معرفة أكثر؟ بل: كيف نبني منظومة تجعل المعرفة تعمل لصالح التنمية؟
وتشير التجارب العالمية إلى أن الجامعات الأكثر تأثيرًا لم تنجح لأنها أنتجت المعرفة فقط، وإنما لأنها طورت مؤسسات وآليات تجعل المعرفة تنتقل من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة الاستخدام. فقد أصبحت مكاتب نقل التقنية في الجامعات الرائدة جزءًا من منظومة أوسع لتحويل الأفكار إلى فرص، وربط الباحثين بالمستثمرين، وبناء شراكات تساعد على انتقال الابتكار من المختبر إلى المجتمع.
كما أن الجامعات المؤثرة أعادت النظر في طريقة قياس نجاحها. فالمؤشرات التقليدية مثل عدد الأبحاث والبرامج والاتفاقيات تعكس حجم النشاط، لكنها لا تكشف دائمًا حجم الأثر. ولذلك تحتاج الجامعات إلى تطوير منظور جديد للقياس يركز على النتائج: ما التقنيات التي تطورت؟ وما الحلول التي قدمت؟ وما القيمة الاقتصادية أو المجتمعية التي تحققت؟
ويمثل تحويل البنية التحتية الجامعية عنصرًا أساسيًّا في صناعة التأثير. فالمعامل والمراكز البحثية لا ينبغي النظر إليها كمرافق تشغيلية فقط، بل كمنصات وطنية لإنتاج الحلول والابتكار. فوجود مختبر متقدم يمثل قدرة كامنة، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما تتحول مخرجاته إلى تطبيقات تخدم القطاعات المختلفة.
وفي المملكة العربية السعودية، يأتي هذا التحول ضمن مرحلة وطنية مختلفة في ظل رؤية المملكة 2030؛ فالمملكة لا تبدأ من بناء الأصول فقط، بل تمتلك اليوم منظومة متنامية من الجامعات، والمراكز البحثية، والمعامل، والبنية الرقمية، والكفاءات الوطنية. ولذلك فإن التحدي القادم يتمثل في رفع قدرة هذه المنظومة على إنتاج أثر يتناسب مع حجم الاستثمار فيها.
وقد أسهم نظام الجامعات في منح الجامعات مساحة أكبر لبناء نماذج أكثر مرونة في الإدارة والشراكات والاستثمار المعرفي، بينما تعمل منظومة البحث والتطوير والابتكار على ربط البحث العلمي بالأولويات الوطنية، وتوجيه المعرفة نحو المجالات ذات القيمة الاستراتيجية.
لكن امتلاك الأصول والبنية التحتية لا يكفي وحده لصناعة التأثير؛ فالعنصر الحاسم هو بناء القدرة المؤسسية التي تجعل هذه العناصر تعمل ضمن منظومة واحدة.
ويتحقق الانتقال من الإنتاج إلى التأثير عندما تبني الجامعة قدرة مؤسسية على صناعة الأثر؛ بحيث تصبح قراراتها البحثية، وبرامجها الأكاديمية، وشراكاتها، واستثماراتها المعرفية، جزءًا من منظومة واحدة تبدأ بتحديد الأولويات الوطنية، وتمر بتحويل المعرفة إلى تطبيقات، وتنتهي بنتائج قابلة للقياس في الاقتصاد والمجتمع.
كما يتطلب ذلك قيادة جامعية ترى الجامعة منظومة وطنية للإنتاج المعرفي، لا مجرد مؤسسة أكاديمية؛ قيادة تربط بين القرار الجامعي والأولويات الوطنية، وبين الاستثمار العلمي والعائد التنموي.
فبعد أن أصبحت الجامعة أصلًا وطنيًّا، فإن المرحلة التالية هي أن تصبح أصلًا منتجًا للأثر. فالمستقبل لن تحدده الجامعات التي تمتلك أكبر مخزون من المعرفة فقط، بل الجامعات التي تمتلك القدرة المؤسسية على تحويل هذه المعرفة إلى قوة اقتصادية واجتماعية ووطنية مستدامة.
فالمعرفة التي تبقى داخل المؤسسات تمثل إمكانًا، أما المعرفة التي تجد طريقها إلى الواقع فتصبح قوة تصنع المستقبل.