«الجزيرة» - وائل العتيبي:
قبل أن تصبح الذاكرة وثيقة، كانت صوتًا. وقبل أن تجد طريقها إلى كتاب أو أرشيف، كانت أغنية تُردَّد في مناسبة، وإيقاعًا يرافق فرحًا، وحكاية تنتقل من امرأة إلى أخرى، وأداءً تحفظه الذاكرة الجماعية أكثر مما تحفظه الأوراق.
في هذه المنطقة الواقعة بين ما قيل وما لم يُكتب، وما مُورس وما لم يُوثَّق، تبرز الفنون الأدائية النسائية السعودية بوصفها واحدة من أكثر المساحات الثقافية قدرة على كشف العلاقة بين المجتمع وذاكرته. فهي لا تقدم مجرد أشكال فنية موروثة، بل تحمل داخلها تفاصيل عن المكان والمناسبة والعلاقات الاجتماعية وطرائق التعبير، كما تكشف جانبًا من صورة المرأة عن ذاتها ومجتمعها.
من هنا جاءت أهمية الندوة الثقافية «الفنون الأدائية النسائية السعودية: الذاكرة، الهوية، وآفاق الاستدامة»، التي نظمها مركز سرد الثقافي بالتعاون مع نادي صوّان التراث، مساء السبت 25 يوليو، بمشاركة الدكتورة سهام آل حيدر، الباحثة والخبيرة في التنوع الثقافي، والدكتورة هيلة العصيمي، الباحثة في الدراسات السوسيولوجية والفنون والموسيقى، والأستاذة سماح العرياني، الناشطة الثقافية والمهتمة بالتراث غير المادي والفنون التقليدية، فيما أدارت الحوار الأستاذة نهى الشريف، أمين نادي صوّان التراث، وسط حضور من المهتمين بالتراث والثقافة والفنون.
لم تكن الندوة احتفاءً بالموروث بقدر ما كانت محاولة لإعادة طرحه بوصفه سؤالًا ثقافيًا مفتوحًا: كيف يمكن قراءة الفنون الأدائية النسائية باعتبارها جزءًا من التاريخ الاجتماعي للمملكة؟ وكيف يمكن الانتقال بها من الذاكرة الشفوية إلى المعرفة الموثقة، دون أن تفقد روحها وسياقاتها؟
ما لم تكتبه الوثائق
لطالما ارتبطت الفنون الأدائية بالمناسبات الاجتماعية والوطنية، وبالاحتفال والطقوس والذاكرة الجماعية. غير أن حضورها في الحياة اليومية لم يكن يعني بالضرورة حضورها في السجل الثقافي الرسمي.
وهنا تظهر المفارقة: قد تكون المرأة حافظة لجزء من الذاكرة، لكنها لم تكن دائمًا حاضرة في كتابة هذه الذاكرة.
فالكثير من الأغاني والأهازيج والأداءات والممارسات الاجتماعية انتقل شفهيًا عبر الأجيال؛ وهو ما منحه قدرة على البقاء، لكنه جعله في الوقت ذاته عرضة للنسيان أو التحريف أو الانقطاع. ومن ثم، فإن توثيق الفنون الأدائية النسائية لا يمثل مجرد عمل أرشيفي، بل يعيد فتح سؤال أوسع حول من يكتب التاريخ الثقافي، ومن تُحفظ روايته، ومن يبقى خارج السجل.
واستعرضت الندوة الجذور التاريخية للفنون الأدائية النسائية في المملكة، بوصفها أحد أبرز أشكال التعبير الاجتماعي والثقافي، لارتباطها بالمناسبات الوطنية والاجتماعية، وتشكيلها جزءًا من الذاكرة الجمعية التي تناقلتها النساء عبر الأجيال. كما تناولت تنوع هذه الفنون بين مناطق المملكة، وما تعكسه من ثراء ثقافي وتعدد في الإيقاعات والأهازيج والأداءات التي أسهمت في حفظ الهوية المحلية.
ولا تكمن أهمية هذه الفنون في كونها «قديمة» فحسب، بل في قدرتها على كشف مجتمع كامل من خلال تفاصيل قد تبدو بسيطة: إيقاع، أو حركة، أو نداء، أو أغنية، أو أداء مرتبط بمناسبة معينة. فكل عنصر من هذه العناصر يمكن أن يحمل خلفه تاريخًا اجتماعيًا، وذاكرة مكان، وطريقة في التعبير عن الفرح والانتماء والعلاقة بالآخر.
من حارسة للتراث إلى صانعة للهوية
تمنح الفنون الأدائية المرأة موقعًا يتجاوز دور الناقلة أو الحافظة. فالمرأة لم تكن مجرد وسيط يعبر من خلاله التراث إلى الجيل التالي، بل كانت جزءًا من عملية إنتاجه وإعادة تشكيله.
من هنا، فإن استعادة الفنون الأدائية النسائية تعني أيضًا استعادة المرأة بوصفها فاعلًا في التاريخ الثقافي، لا مجرد موضوع داخله.
وقد ناقشت الجلسة علاقة هذه الفنون بالهوية السعودية، وكيف حافظت على حضورها رغم التحولات الاجتماعية، مؤكدة أن الفنون الأدائية ليست مجرد موروث شعبي، بل سجل حي يحفظ تفاصيل المجتمع وقيمه وعلاقته بالمكان والإنسان.
ومع التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي السعودي، يتسع هذا الدور ليشمل البحث والتوثيق والأداء والإنتاج والإدارة والتدريب. وبذلك تنتقل المرأة من موقع الحافظة للذاكرة إلى موقع الشريكة في تفسيرها وإعادة تقديمها.
وهنا لا تعود الهوية صورة ثابتة تُستعاد، بل عملية مستمرة تتفاعل فيها الذاكرة مع الحاضر. فكل جيل يعيد قراءة ما ورثه، ويمنحه معنى جديدًا، ما دام يحافظ على صلته بجذوره.
الأصالة.. بين الحفظ وإعادة القراءة
أحد أكثر الأسئلة حساسية في التعامل مع التراث هو: ماذا يعني أن نحافظ عليه؟
هل الحفاظ على الفن يعني إبقاءه كما كان؟ أم أن استمراره يتطلب أن يتغير؟
ربما تكمن الإجابة في التمييز بين حفظ الشكل وحفظ المعنى. فالأداء الذي يعيش في سياقه الطبيعي يظل قابلًا للتطور، بينما قد يفقد الموروث جزءًا من معناه حين يُنتزع من بيئته ويُقدَّم بوصفه مشهدًا فولكلوريًا منفصلًا عن سياقه.
ولهذا، فإن توثيق الفنون الأدائية يحتاج إلى أكثر من تسجيل الصوت والصورة؛ يحتاج إلى تسجيل القصة التي تقف خلف الأداء، والمناسبة التي وُلد فيها، والمجتمع الذي احتضنه، والنساء اللواتي نقلنه، والتحولات التي طرأت عليه.
فما يُحفظ ليس «الأداء» فقط، بل الذاكرة التي جعلت الأداء ممكنًا.
وفي هذا السياق، فتحت الندوة بابًا للنقاش حول جوانب ظلت مسكوتًا عنها في تاريخ الفنون الأدائية النسائية، من بينها محدودية التوثيق، وغياب كثير من الروايات الشفوية عن الدراسات الأكاديمية، والحاجة إلى إعادة قراءة هذا الإرث بوصفه جزءًا أصيلًا من التاريخ الثقافي للمملكة، بما يضمن حضوره في مشاريع البحث والتوثيق وصناعة المحتوى الثقافي.
الاستدامة.. السؤال الذي يبدأ بعد التوثيق
قد يكون التوثيق هو الخطوة الأولى، لكنه ليس النهاية.
فالموروث لا يصبح مستدامًا بمجرد وضعه في أرشيف، بل حين يجد طريقه إلى التعليم والبحث والممارسة والمنصات الرقمية والبرامج الثقافية والأجيال الجديدة.
تحتاج الفنون الأدائية النسائية إلى منظومة متكاملة تجمع بين جمع الروايات الشفوية، والأرشفة الرقمية، والدراسات الأكاديمية، والتدريب، ودعم الممارسات، وخلق مساحات تسمح بإعادة تقديم هذه الفنون بصورة تحترم جذورها وتفتح لها أفقًا جديدًا.
فالاستدامة لا تعني أن يبقى التراث كما هو، بل أن يبقى قادرًا على إنتاج المعنى، وهنا تبرز أهمية المبادرات الثقافية التي تفتح مساحات الحوار بين الباحثين والمهتمين والممارسين، وتتعامل مع التراث بوصفه معرفة حية لا مادة جامدة.
وفي هذا السياق، يأتي التعاون بين مركز سرد الثقافي ونادي صوّان التراث بوصفه جزءًا من الحاجة إلى توسيع النقاش حول الموروث، وإخراجه من دائرة الاحتفاء الموسمي إلى دائرة البحث والتوثيق والتفكير في مستقبله.
فالنادي، في جوهر دوره الثقافي، لا يتعامل مع التراث باعتباره مادة محفوظة في الكتب أو المتاحف فحسب، بل بوصفه معرفة حية تتفاعل مع المجتمع، وتحتاج إلى الحوار والتوثيق وتبادل الخبرات بين المتخصصين والباحثين والمهتمين والممارسين. ومن هنا، فإن حماية التراث لا تتحقق بمجرد حفظه، بل ببناء وعي قادر على نقله وفهمه وضمان استمراره.
الذاكرة لا تحتاج إلى من يحفظها فقط
تضع الفنون الأدائية النسائية أمام الثقافة السعودية سؤالًا يتجاوز حدود الفن: كيف نعيد كتابة الذاكرة بحيث تشمل كل الأصوات التي صنعتها؟
فالمرأة لم تكن خارج التاريخ الثقافي؛ لكنها كانت، في كثير من الأحيان، خارج أرشيفه الرسمي. واستعادة فنونها الأدائية تعني استعادة جانب من تاريخ المجتمع نفسه، بكل ما يحمله من تنوع واختلاف وتعدد في التجارب.
ولذلك، فإن الذاكرة الثقافية لا تحتاج إلى من يحفظها فقط، بل إلى من يصغي إليها، ويفهم سياقاتها، ويمنحها حق الحضور في السرد الثقافي العام.
وفي النهاية، لا يكمن التحدي في أن نمنع التراث من النسيان فقط، بل في أن نمنحه شروط الحياة؛ أن نوثقه دون أن نجمده، ونطوره دون أن نفقد جذوره، ونقدمه للأجيال الجديدة لا بوصفه ماضيًا مغلقًا، بل مادة قادرة على الحوار مع الحاضر.
وقد اختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية تعزيز الجهود المؤسسية لحفظ هذا الموروث، ودعم المبادرات التي تُعنى بتوثيق الفنون الأدائية النسائية، وتمكين الأجيال الجديدة من التعرف عليها، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في صون التراث الثقافي غير المادي وتعزيز استدامته. فالفنون الأدائية النسائية السعودية ليست مجرد ما بقي من الأمس؛ إنها ذاكرة ما زالت تتحرك، وهوية ما زالت تتشكل، ومستقبل يبدأ من سؤال بسيط وعميق: من يروي الحكاية حين تستعيد الذاكرة صوتها؟.