م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1. صديقي وحبيبي وزميلي «أبو خالد» لقد عرفت بعد أن بلغني خبر وفاتك المفاجئ معنى أن يموت الانسان وفي نفسه شيء من «حتى»، أن يرحل وفي داخله كلام لم يقله، وأمر لم يفعله، وحلم ظل يؤجله!
2. يا صديقي إن أخطر ما يتركه العمر على جباهنا ليس الشيب، فالشيب شهادة توقّعها الأيام.. أما الأخطر فهو ما حملناه داخلنا ومضينا به دون أن نمنحه فرصة أن يولد، هو الحَبُّ الذي أبقيناه معلّقاً في الحَلْق ولم نطحنه، هو الرسالة التي كتبناها ومزّقناها قبل أن تصل.. هي المغامرة التي صافحناها من بعيد وقلنا لها: «ليس الآن»، حتى صارت «ليس أبداً»، هي الفكرة التي ربيناها في رؤوسنا سنين، أطعمناها من يقظتنا، وسقيناها من أحلامنا، حتى شابت معنا، وما شمت الهواء يوماً.
3. يا صديقي، قد ينحني الظهر، وقد ترتجف اليد، وقد يثقل المشي، لكن الرغبات لا تعرف الكهولة، تبقى فتية، واقفة على عتبة الروح، تطرق باب حياتنا بأصابع من نور، حتى الليلة التي نطفئ فيها السراج الأخير من عمرنا.. هنا يبدأ الندم الحقيقي، ليس الندم أن أخطأت الطريق فعدت، ولا أن كسرت زجاجاً فجمعت شظاياه.. الندم الحقيقي أن تغادر وأنت تعلم أن في داخلك كان يسكن إنسان آخر، له ضحكة لم تُطْلَق، وصوت لم يُرفع، ورحلة لم تبدأ، وحَبٌّ لم يُطحن، وحلم لم يتحول إلى حقيقة.
4. الندم الحقيقي يا «أبو خالد» أن تكون نسخة منك تنتظر الإذن كي تولد فأجّلتها باسم الحكمة، وخنقتها باسم الخوف، ودفنتها تحت تراب «ماذا سيقولون؟».. فمتّ يا صديقي مرتين: مرة حين توقف النبض، ومرة حين اكتشفت أنك عشت نصف عمر، وتركت النصف الآخر يموت واقفاً، فليس هناك ما هو أقسى من أن تموت وفي داخلك نسخةٌ منك لم تُولد قط.
5. منذ أن عرفتك «يبو خالد» وأنت تركض، وأتتك أيام رأيتك فيها تلهث، وتتساءل: أليس لهذا السباق الذي أفنيت عمري فيه من نهاية؟ وأتتك أيام رأيتُ القهر في عينيك وخيبة الأمل في تعابير وجهك والألم يعتصر قلبك، وتتساءل: لماذا يحصل لي هذا؟ لقد كُنت أسعى في هذه الحياة سعي الخائف، وكُنت مستقيماً في حياتي استقامة من يخاف الله خوف المذعور، وكُنت وفياً مع أسرتي وجماعتي ومعارفي وفاء من لا ينتظر جزاء ولا شكراً.. لكنك لم تتوقف ولم تلتفت بل قفزت من مكانك وعاودت الركض الذي أدمنته منذ ولادتك.
6. وداعاً يا صديقي «عبدالله بن أحمد الساكت».. كعادتك دائماً كنت تسبقنا بخطوتين، وها أنت تسبقنا إلى لقاء خالقك دون إنذار أو وداع.. رحمك الله يا صديقي وغفر لك وأسكنك فسيح جناته.
7. نم هانئاً «يبو خالد».. لقد انتهى الركض، وآن لك أن تستريح.