فائز بن سلمان الحمدي
سبحان من جعل للقلوب منطقًا لا تعرفه الألسنة، ولسانًا لا تُحسن ترجمته الأقلام؛ فهي إذا أحبت لم تحتج إلى شاهد، وإذا صدقت لم تستأذن البيان، وإذا فاضت بمكنونها غلبت الحقيقةُ كلَّ صنعة، وانكشف السرُّ الذي طال اختباؤه وراء صمت الأيام. ولذلك فما كلُّ حشدٍ دليلُ ولاء، ولا كلُّ تصفيقٍ عنوانُ محبة، ولا كلُّ احتفاءٍ برهانُ وفاء؛ فإن في الناس من تجمعهم المهابة، فإذا زالت تفرَّقوا، ومن تستميلهم المنفعة، فإذا انقطعت انصرفوا، غير أن اجتماع القلوب على رجلٍ آيةٌ من آيات الله في الاجتماع الإنساني؛ إذ لا سلطان على الضمائر إلا سلطان الفضيلة، ولا ولاية على الأرواح إلا ولاية الإحسان. ومن هنا كان احتشاد أهالي تبوك لاستقبال صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز بعد أن منَّ الله عليه بالسلامة، حادثةً لا يفسرها بروتوكول، ولا تستوعبها لغة المناسبات، ولا تكفي في بيانها مفردات المجاملة؛ لأنها كانت في حقيقتها ثورةَ عاطفةٍ مكبوتة، وانفراجَ شوقٍ محبوس، وانبثاقَ وفاءٍ ظلَّ سنين طويلةً يتخمَّر في أعماق النفوس، حتى إذا عاد الرجل سالمًا انفجرت المشاعر كما تنفجر العيون بالماء بعد طول احتباس. ولو كانت المحبة تُشترى لاشتراها كلُّ ذي سلطان، ولو كانت تُستعار لاستعارها كلُّ ذي جاه، ولكنها نفحةٌ من الله، يضعها حيث يرى الصدق، ويودعها حيث يشاء الإخلاص. إنها ثمرةُ عمرٍ كاملٍ من المعاملة، لا ثمرةُ يومٍ من الاحتفال؛ لأن القلوب لا تحفظ الكلمات، وإنما تحفظ المواقف، ولا تخلد الخطب، وإنما تخلد الأفعال. قد يرفع المنصبُ الرجلَ فوق الرؤوس، ولكنه لا يرفعه فوق القلوب، وبين الموضعين من البعد ما بين السماء والأرض؛ فإن الرأس قد ينحني هيبةً، أما القلب فلا ينحني إلا اقتناعًا، ولا يخضع إلا لفضلٍ رآه، أو خلقٍ عاشه، أو إحسانٍ ذاق أثره.
ولقد مضت السنون، والرجل بين أهله، حتى اختلط اسمه بتاريخ المكان، وأصبح ذكره من حديث المجالس كما يصبح ذكر المطر في مواسم الخصب، لا لأنه صاحب ولايةٍ فحسب، ولكن لأنه صاحب حضورٍ في وجدان الناس؛ حضورٌ لا تصنعه الأوامر، ولا تنسجه المراسم، وإنما تبنيه الأيام لبنةً فوق لبنة، من عدلٍ يُطمئن، وإحسانٍ يُؤنس، وقربٍ يرفع الوحشة بين الراعي والرعية. إن الرجل قد يبلغ بمنصبه أقصى المراتب، ثم يظل غريبًا في قومه، وقد يبسط الله له في القلوب منازل لا تبلغها الممالك، فيصبح إذا غاب افتقدوه، وإذا مرض دعوا له، وإذا عاد تلقوه كما يُتلقى الغائب العزيز الذي غاب بعض الروح بغيابه. وهكذا كان المشهد في تبوك؛ لم يكن الناس يستقبلون موكبًا، بل كانوا يستقبلون معنى. ولم يكونوا يحيُّون لقبًا، بل كانوا يحيُّون أثرًا. ولم يكونوا يصفقون لمنصب، بل كانت القلوب تصفق لإنسانٍ استقر فيها حتى صار جزءًا من ذاكرتها، كما تستقر الجبال في الأرض فلا تشعر بثقلها، ولكنك تعرف قيمتها إذا غابت. ثم جاءت تلك الكلمة التي ألقاها الأمير في خاتمة اللقاء، فقال: «أعشقكم».
يا لها من كلمةٍ لو قيلت صناعةً لما جاوزت الآذان، ولكنها لما خرجت صادقةً جاوزت الأسماع إلى الأفئدة. لم تكن لفظةً تُنطق، بل كانت قلبًا يتكلم. ولم تكن تعبيرًا عن لحظة، بل خلاصةَ أعوامٍ طويلةٍ من العشرة والوفاء، حتى خُيِّل إلى السامعين أن الرجل لم يجد في معجم العربية كلمةً أصدق منها، فألقاها كما يُلقي المحب سرَّه الأخير. وما أعجب شأن الصدق! فإنه إذا نطق أخرس البلاغة المتكلفة، وإذا حضر استغنى عن الزخرف، وإذا استوى على عرش الكلام، أصبحت الحروف أرواحًا، وأصبح اللفظ حياةً تمشي بين الناس.
إن القيادة ليست أن تملك القرار، بل أن تملك الدعاء. وليست أن تُفتح لك الأبواب، بل أن تُفتح لك القلوب. فالأبواب يفتحها الحراس، وأما القلوب فلا يفتحها إلا الله لمن صدق مع عباده، وجعل من سلطانه رحمة، ومن مكانته خدمة، ومن جاهه جسرًا يعبر عليه الناس إلى مصالحهم وآمالهم. ولقد علَّمنا التاريخ أن الرجال صنفان: رجلٌ يعيش في سجل الدولة، فإذا انقضى عهده انطوى ذكره مع أوراقه، ورجلٌ يعيش في سجل القلوب، فإذا انقضى عمره ابتدأ عمره الآخر؛ لأن المحبة لا تعرف الموت، والوفاء لا يطويه التراب، والذكر الجميل صورةٌ من صور الخلود التي يهبها الله لمن أحسن إلى خلقه. وما كان ذلك الاحتفال إلا شهادةً شعبيةً لا يكتبها مؤرخ، ولا يختمها ديوان، ولكنها أمضى من كل وثيقة، وأصدق من كل وسام؛ إذ شهدت بها الوجوه قبل الألسنة، ووقَّعتها الدموع قبل الأقلام، وأثبتتها الدعوات التي ارتفعت إلى السماء قبل أن تُرفع الرايات في الأرض. فيا لها من منزلةٍ يعجز الذهب عن شرائها، وتعجز المناصب عن منحها، ويعجز الزمان عن انتزاعها. إنها منزلةُ الرجل الذي جعل بينه وبين الناس نسبًا من المعروف، حتى صار إذا ذُكر ذُكر معه الإحسان، وإذا حضر حضرت معه الطمأنينة، وإذا غاب خلَّف في المجالس فراغًا لا يملؤه إلا عودته.
وهكذا تُبنى الأمجاد؛ لا بالحجارة، بل بالضمائر، ولا بالسيوف، بل بالمكارم، ولا بضجيج الشعارات، بل بصمت الأعمال. فالأعمال هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمان، وهي الحجة التي لا يستطيع الدهر أن ينقضها، وهي النور الذي يبقى بعد انطفاء المصابيح كلها.
ولعل أجمل ما في المحبة أنها لا تعرف المجاملة؛ فهي لا تمنح نفسها إلا لمن استحقها، فإذا منحت نفسها لرجلٍ، فقد منحته الخلود في ذاكرة قومه. وذلك هو المجد الذي لا يكتبه المؤرخون، وإنما يكتبه الله في صحائف القلوب، فإذا كتبته القلوب استحال أن تمحوه الأيام؛ لأن الأيام تُبلي الحجر، ولا تُبلي الأثر، وتُذهب العمر، ولا تُذهب الذكر، وتطوي السنين، ولا تطوي الجميل. وهكذا انصرف أهل تبوك من ليلتهم، ولم يكن الذي عاد إليهم رجلًا فحسب، بل عاد إليهم شيءٌ من سكينة المكان، وقطعةٌ من ذاكرته، وفصلٌ من تاريخه، فعلموا أن أعظم ما يملكه الإنسان ليس ما في يده، وإنما ما في قلوب الناس له؛ فإن المال يفنى، والجاه يزول، والسلطان يتحول، أما المحبة الصادقة، فهي الوديعة التي إذا أودعها الله قلبًا، بقيت ما بقيت الأرواح، وبقي صاحبها حيًّا في دعوات الناس، وإن طواه الزمان.