عبدالعليم مبارك
في زحمة هذا العصر الذي يتقاطع فيه الصخب الرقمي مع القلق الوجودي، يجد الفرد نفسه أمام سؤال قديم يتجدد باستمرار: كيف يرتقي بذاته وسط عالم لا يمنحه فسحة من التأمل؟ لم تعد التنمية البشرية ترفاً فكرياً يُتداول في أروقة المؤتمرات، بل غدت ضرورة وجودية يلجأ إليها الإنسان المعاصر بحثاً عن توازن يُفلت من بين يديه كل يوم.
تعج المكتبات ومنصات التواصل بعبارات براقة تبشر بـ»التحول الجذري» و»إطلاق الطاقة الكامنة»، وكأن الإنسان جهاز ينتظر زر التشغيل، لكن الحقيقة أعمق وأكثر تعقيداً من شعار يُلصق على غلاف كتاب، فالتطوير الذاتي، في جوهره، ليس قفزة سحرية نحو نسخة مثالية من الذات، بل مسار تراكمي يتقاطع فيه الوعي بالممارسة، والصبر بالمساءلة المستمرة للنفس.
وفي هذا السياق، يرى كثير من المختصين في علم النفس الإيجابي أن جوهر التطور الحقيقي يكمن في القدرة على مواجهة الذات دون تجميل أو تبرير، وهي مواجهة تتطلب شجاعة أكبر من أي «تحدٍ» تسويقي يُروَّج له بوصفه حلاً سريعاً.
ومن المفارقات اللافتة أن سوق التنمية البشرية، الذي وُلد أصلاً لتحرير الإنسان من قيوده الداخلية، تحول عند البعض إلى قيد جديد. فحين يتحول «التطوير» إلى استهلاك متواصل للمحتوى التحفيزي دون ترجمة فعلية إلى سلوك، يقع الفرد في وهم الإنجاز؛ يشعر أنه يتقدم لمجرد أنه استمع إلى محاضرة أو قرأ فصلاً من كتاب، بينما تبقى عاداته وقراراته اليومية على حالها.
رغم كل هذا الضجيج، ثمة مبادئ ظلت صامدة عبر العصور، لم تتغير بتغير الأدوات أو المصطلحات؛ فالانضباط بديل الحافز ذلك أن الحافز عاطفة عابرة، أما الانضباط فسلوك يُبنى بالتكرار.
كما أن الوعي بالذات لا يعني جلدها، حيث إن التطور الحقيقي يبدأ من مصالحة صادقة مع النقاط الهشة في الشخصية، لا من محاكمة قاسية تُنهك الروح وتُبقيها أسيرة الشعور بالذنب.
يبقى المحيط الاجتماعي عاملاً حاسماً، فقلما ينجح فرد في التغيير وهو محاط ببيئة تُغذي عاداته القديمة. فالإنسان، كما يُقال، هو معدل من يخالطهم.
وتبقى التنمية البشرية، في صورتها الأصيلة، فعلاً يومياً متواضعاً بعيداً عن الأضواء.