ناصر بن فريوان الشراري
منذ عام وحتى كتابة هذه السطور، وبلدية محافظة القريات تعمل بصمت، وهدوء، وبتكنيك إداري رفيع يترجم بكل دقة مستهدفات برنامجي «جودة الحياة» و»أنسنة المدن»، اللذين يمثلان ركيزة أساسية من ركائز رؤية المملكة 2030، إن المشهد اليوم في القريات يتحدث عن نفسه، فالحدائق الغنّاء باتت تُسوّر المدينة وتمتد على جنبات منطقتها الصناعية الجديدة، ناهيك عن المماشي الحديثة والتجهيزات الترفيهية للأطفال، والتي جاءت لتعزز الرفاهية الاجتماعية وتؤكد أن المواطن هو المحور الحقيقي للتنمية.
إن هذا الحراك الميداني المتميز، يقودنا نحو قراءة أعمق للمستقبل الإستراتيجي لهذه البقعة من وطننا العزيز، مستلهمين ذلك من النظرة الحكيمة والسياسة الثاقبة لولاة الأمر ـ حفظهم الله ـ والذين يمتلكون رؤية بعيدة المدى تهدف إلى استثمار المزايا النسبية لكل شبر من وطننا الغالي، ومن هذا المنطلق التنموي الطموح، يحدو الأهالي الأمل في أن تتوّج هذه الجهود بتحويل «بلدية القريات» إلى «أمانة» مستقلة، أسوة بمحافظات شبيهة كحفر الباطن والأحساء وغيرها، فالقريات بعبقرية موقعها كمدينة حدودية وواجهة وطنية، تمثل «بوابة الوطن» الشمالية الكبرى التي تستحق هيكلاً إدارياً يتوازى مع حجم مسؤولياتها الجغرافية والأمنية والخدمية، وعندما نستقرئ في صفحات التاريخ الإداري للمملكة، نجد أن القيادة لم تغفل يوماً عن أهمية هذه البوابة، إذ كانت القريات في السابق منطقة إدارية تحت مسمى (منطقة القريات ومفتشية الحدود الغربية والشمالية)، مما يمنحها إرثاً إدارياً وجغرافياً يؤهلها اليوم لتكون مواكبة لهذا التحول التنظيمي المبارك الذي تشهده كافة قطاعات الدولة.
إن السياسة السعودية الحكيمة التي وضعت قطاع اللوجستيات والنقل الدولي كأحد أعمدة الاقتصاد الجديد، تجعلنا نستشرف بعين التفاؤل تلك التطلعات الإستراتيجية التي نوقشت لربط القريات بالمدن الصناعية، وتأسيس منطقة حرة في منفذ الحديثة الحدودي، هذا المنفذ الحيوي يمثل اليوم امتداداً جغرافياً لنظرة الدولة بعيدة المدى في ربط القارات، حيث يستعد ليكون نقطة ارتكاز رئيسية مع اكتمال سكة القطار المخطط لها، لتربط المملكة ودول الخليج العربي بتركيا وعمق أوروبا عبر الأردن الشقيق، هذا الخط الحديدي ليس مجرد ممر تجاري اعتيادي، بل هو تجسيد لعمق الرؤية السياسية والاقتصادية للمملكة، وسيكون بمثابة شريان لوجستي عالمي لنقل الطاقة والبضائع والركاب من المملكة ودول الخليج عبر الصحراء السعودية إلى مراكز الثقل الاقتصادي العالمي.
إن القريات ومنفذ الحديثة، بما يتمتعان به من أهمية قصوى وجيوسياسية، يترقبان هذه النقلات الهيكلية والاقتصادية النوعية، لتتكامل تطلعات المحافظة مع الخطط الكبرى للقيادة الرشيدة، ولتتحول البوابة الشمالية للمملكة ـ كما أراد لها ولاة الأمر ـ إلى منصة لوجستية واستثمارية عالمية تليق بمكانة السعودية العظمى.