أحمد آدم
لم يعد اتجاه الرياض لبناء المفاعلات السلمية محض سباق للتسلح أو التفاخر الاستراتيجي، بل تحول إلى ضرورة سيادية لا مفر منها لحماية تأمين وطاقة المستقبل.
أولاً: اتفاقية تاريخية للتعاون النووي
الولايات المتحدة وقّعت رسميًا اتفاقية تاريخية للتعاون النووي المدني مع السعودية (المعروفة باتفاقية 123)، وقام الرئيس دونالد ترامب بالموافقة عليها وفصلها عن شرط التطبيع المسبق مع إسرائيل.
1- الإعلان الرسمي والتوقيع
أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية رسميًا عن توقيع الاتفاقية التاريخية الممتدة لـ 30 عامًا بين وزير الطاقة الأمريكي «كريس رايت» ونظيره السعودي الأمير «عبد العزيز بن سلمان».
أهمية الاتفاقية: أن الشركات الأمريكية ستقوم ببناء البنية التحتية والمفاعلات النووية المدنية في السعودية (مثل مفاعلات AP1000 التي تبنيها شركة ويستينغهاوس).
2- مسألة تخصيب اليورانيوم و«المعيار الذهبي»
فتحت الاتفاقية مسارًا قانونيًا قد يتيح للسعودية مستقبلاً تخصيب اليورانيوم على أرضها بعد إجراء دراسة جدوى مشتركة تستمر لسنتين. التنازل الأمريكي: الاتفاقية لم تجبر السعودية على التوقيع على «المعيار الذهبي» (الذي يحظر التخصيب تمامًا كما حدث مع الإمارات سابقًا)، كما لم تلزمها بـ «البروتوكول الإضافي» الصارم للتفتيش المفاجئ من وكالة الطاقة الذرية، وهو ما اعتبره مراقبون نجاحًا دبلوماسيًا كبيرًا للرياض.
3- الموقف الإسرائيلي والضغوط
لم تتراجع أمريكا بسبب الضغوط الإسرائيلية، ولكن الاتفاق أثار موجة قلق شديدة داخل إسرائيل. واعتبر قادة المعارضة الإسرائيلية (مثل بيني غانتس وأفيغدور ليبرمان) أن منح السعودية تكنولوجيا التخصيب يشكل «خطرًا جسيمًا على أمن إسرائيل».
4- حقيقة شرط «التطبيع مع إسرائيل» والتراجع
إدارة ترامب قامت بفصل ملف التعاون النووي عن شرط اعتراف السعودية بإسرائيل أو التطبيع معها (خلافًا لإدارة بايدن السابقة التي كانت تربطهما معًا)، وذلك بسبب تعقد مسار التطبيع نتيجة اشتراط السعودية إحراز تقدم حقيقي نحو حل الدولتين، وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية الحالية.
5- الخطوة القادمة
الاتفاقية أُحيلت رسميًا إلى الكونغرس الأمريكي لبدء فترة مراجعة إلزامية تستمر 90 يومًا. ورغم المعارضة الشديدة من بعض المشرعين الديمقراطيين، إلا أن تعطيل الاتفاقية يتطلب تصويت غالبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ لتجاوز «الفيتو» الرئاسي المتوقع من ترامب، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس.
ثانياً: موقف الداخل الأمريكي والإسرائيلي من توقيع الاتفاقية
أحدث توقيع الاتفاقية النووية بين واشنطن والرياض انقساماً وجدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة، في حين سادت حالة من الصدمة والقلق العارم الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل.
1- موقف الداخل الأمريكي (انقسام بين المكاسب والمخاطر)
انقسمت ردود الفعل في واشنطن إلى اتجاهين رئيسيين:
أ- إدارة ترامب والمؤيدون:
* قطع الطريق على الصين وروسيا: ترى الإدارة أن توقيع الاتفاق يمنع السعودية من التعاون مع بكين أو موسكو لبناء برنامجها.
* الاتفاق يمنح الشركات الأمريكية (مثل ويستينغهاوس) عقوداً حصرية لعقود، مما ينعش قطاع الطاقة الأمريكي ويوفر آلاف الوظائف.
ب- المشرعون في الكونغرس وخبراء حظر الانتشار (مخاوف أمنية):
* انتقادات حادة من الديمقراطيين: عبّر نواب ديمقراطيون عن قلقهم الشديد من غياب «المعيار الذهبي»، محذرين من أن منح الرياض قدرات التخصيب المحلي يفتح الباب مستقبلاً لصناعة سلاح نووي.
* انتقاد «التنازل المجاني»: يرى خبراء السياسة الخارجية أن ترامب تخلّى عن ورقة ضغط قوية (البرنامج النووي) دون انتزاع تنازل سعودي بالتطبيع مع إسرائيل، مما أضعف الموقف الدبلوماسي الأمريكي.
2- موقف الداخل الإسرائيلي (صدمة وإجماع على الخطورة)
جاءت ردود الفعل الإسرائيلية شبه إجماعية في غضبها وقلقها، حيث وصفت وسائل الإعلام العبرية كـ «يديعوت أحرونوت» الاتفاق بأنه «صفعة في وجه إسرائيل»:
أ- موقف المعارضة الإسرائيلية (هجوم حاد وعنيف):
* يائير غولان (رئيس حزب الديمقراطيين): هاجم نتنياهو بشدة قائلاً: «نتنياهو خسر التطبيع ومكّن السعودية من التحول لدولة نووية، مما أضعف إسرائيل عسكرياً وسياسياً».
* أفيغدور ليبرمان (زعيم حزب إسرائيل بيتنا): صرح بأن «أي برنامج مدني ينتهي بسلاح عسكري»، ووصف الاتفاق بتجاوز الخطوط الحمراء، وطالب اللوبي اليهودي في أمريكا بالتحرك فوراً في الكونغرس لإحباطه.
* نفتالي بينيت (رئيس الوزراء السابق): وصف توقيع الاتفاق من وراء ظهر إسرائيل بأنه «خطأ استراتيجي فادح يفقد إسرائيل السيطرة».
ب- موقف الحكومة الإسرائيلية (ارتباك وحرج):
* الصدمة والمفاجأة:
أكدت تقارير أمنية أن المسؤولين الإسرائيليين فوجئوا بالخطوة ولم يتم إطلاعهم أو التنسيق معهم مسبقاً من قِبل البيت الأبيض.
* الرد الدبلوماسي الحذر:
تحاول حكومة نتنياهو موازنة الأمور؛ فرغم تصريحات بعض الوزراء (مثل ميكي زوهر) بأن إسرائيل وضعت خطوطاً حمراء لأمريكا، إلا أن الحكومة تجنبت الصدام العلني المباشر مع ترامب.
الخلاصة
بينما تحتفي إدارة ترامب بالاتفاق كإنجاز، تراه إسرائيل والعديد من الأوساط في واشنطن مخاطرة أمنية كبرى.
ثالثاً: لماذا الاتجاه للمفاعلات رغم شبح تشيرنوبل وفوكوشيما؟
لماذا تخاطر دول كبرى ببناء مفاعلات نووية رغم ما سببته حوادث مثل «تشيرنوبل» و»فوكوشيما من رعب»؟ السبب يعود إلى أن هذه الدول لا تنظر للمشروع من زاوية «المخاطرة» فقط رغم أن ذلك ضمن اهتماماتها، بل تقودها حسابات استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية تعتقد أنها تفوق المخاطر.
1- تأمين «طاقة القاعدة» المستمرة
الطاقة الشمسية وطاقة الرياح (التي تمتلكها السعودية مثلاً بكثرة) هي طاقة متقطعة، فالشمس تغيب والرياح تتوقف، والبطاريات العملاقة لتخزينها مكلفة جداً حتى الآن.
الحل النووي: المفاعل النووي يعمل بكفاءة طوال 24 ساعة في اليوم، و7 أيام في الأسبوع، ولـ 60 إلى 80 عاماً دون توقف، مما يوفر استقراراً كاملاً لشبكة الكهرباء القومية لدعم المدن الضخمة والمصانع العملاقة.
2- الحسابات الاقتصادية الخاصة بكل دولة
السعودية (توفير النفط والغاز للتصدير): السعودية تستهلك كميات هائلة من نفطها وغازها محلياً لتوليد الكهرباء وتحلية المياه. إدخال الطاقة النووية يعني توفير مئات الآلاف من براميل النفط يومياً، وإعادة تصديرها للأسواق العالمية بالدولار، مما يعني دخلاً اقتصادياً ضخماً.
3- «النفوذ الجيوسياسي» والمكانة الإقليمية
في الشرق الأوسط، الطاقة النووية ليست مجرد كهرباء، بل هي رمز للقوة والتقدم التكنولوجي. ما يجعل السعودية حريصة على عدم التخلف عن هذا السباق المعرفي والاستراتيجي، لضمان ميزان القوى في المنطقة.
4- تحلية المياه
* المنطقة العربية هي الأكثر جفافاً في العالم، والسعودية تعتمد كلياً على تحلية مياه البحر. والمفاعلات النووية توفر كميات هائلة من الحرارة والطاقة الرخيصة اللازمة لتشغيل محطات تحلية مياه عملاقة تكفي للأجيال القادمة.
5- ولكن.. ماذا عن خطر «تشيرنوبل»؟ هل العالم يبتعد حقاً؟
تغيرت النظرة العالمية للطاقة النووية مؤخراً للأسباب التالية:
أ- تكنولوجيا الجيل الثالث (3+):
المفاعلات المعروضة على السعودية (AP1000 الأمريكية) تختلف تماماً عن مفاعل «تشيرنوبل» البدائي (الذي بُني في السبعينيات).
المفاعلات الحديثة تحتوي على «أنظمة أمان خاملة» تعمل تلقائياً بجاذبية الأرض والفيزياء دون الحاجة لتدخل بشري أو كهرباء، وتتحمل اصطدام طائرة تجارية عملاقة أو زلازل مدمرة دون تسريب إشعاعي.
ب- العودة العالمية للنادي النووي:
على عكس ما يبدو، العالم لا يبتعد كله؛ ففرنسا، بريطانيا، أمريكا، الصين، والهند، يعيدون بقوة بناء مفاعلات جديدة، لأنها الطاقة الوحيدة «شبه الصفرية» في انبعاثات الكربون، مما يجعلها سلاحاً رئيسياً لمكافحة الاحتباس الحراري.
الخلاصة
الدول العربية ترى أن خطر الجوع الطاقي، والفقر المائي، والتخلف التكنولوجي، هو خطر مؤكد وحتمي يحدث الآن، في حين أن خطر الحوادث النووية هو خطر احتمالي يمكن السيطرة عليه بأنظمة الأمان الحديثة الصارمة.
رابعاً: مخاطر الأخطاء البشرية
تشير إحصائيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) تاريخيًا إلى أن أكثر من 70 % من حوادث المنشآت عالية التقنية (بما فيها النووية والطيران) تعود بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أخطاء بشرية أو ضعف في ثقافة المؤسسة، وليس لعطل في الآلات والمنظومة التقنية. ومع ذلك، فإن المخاوف بشأن ارتكاب الأخطاء هي نقطة يتم التعامل معها في المشاريع النووية الحالية ليس بالتجاهل، بل عبر آليات هندسية ورقابية صارمة جداً.
1- تقييم الهيئات الدولية للدول العربية الناشئة نوويًا
* تحديات الدول الجديدة: نشرت دراسات متخصصة مثل تقارير ScienceDirect حول «جاهزية ثقافة الأمان النووي في الدول الناشئة»، وأشارت إلى أن التحدي الأكبر لهذه الدول ليس بناء المفاعل، بل بناء «ثقافة مؤسسية» تلتزم بالبروتوكولات الصارمة والشفافية التامة، وتتخلى عن ثقافة «تغطية الأخطاء» أو «التراخي» الشائعة في بعض القطاعات التقليدية.
2- كيف يتم تحييد «الخطأ البشري الفردي» في المفاعلات الحديثة؟
صناعة التقنيات النووية طورت استراتيجيات صارمة لحماية المفاعل من أخطاء العاملين أنفسهم، عبر عدة مستويات:
أ- التصميم الذاتي (أنظمة الأمان الخاملة:
المفاعلات الحديثة مثل (VVER-1200) الروسي بالضبعة أو (AP1000) الأمريكي المقترح للسعودية، مصممة هندسيًا بحيث إذا ارتكب المشغل البشري خطأً فادحاً أو غاب تماماً، فإن المفاعل يغلق نفسه ذاتياً بفعل قوانين الفيزياء (مثل الجاذبية الأرضية وضغط البخار الطبيعي)، دون الحاجة لتدخل بشري أو مصدر كهرباء خارجي.
ب- نزع القرار البشري في الطوارئ:
الحواسب والأنظمة الذكية داخل المفاعل مبرمجة لرفض الأوامر البشرية الخاطئة؛ فإذا حاول مهندس التشغيل ضغط زر قد يسبب خطورة، يقوم النظام بإلغاء الأمر تلقائيًا لمنع تكرار ما حدث في «تشيرنوبل» (حيث كان السبب الرئيسي هناك هو قيام المهندسين بإيقاف أنظمة الأمان يدويًا لإجراء تجربة).