فائز بن سلمان الحمدي
إنَّ من أدهى ما يبتلي الله به الإنسان أن يُفرغ يديه من الأشغال، ثم يملأ قلبه بالوحشة؛ فإن الفراغ إذا خلا من غايةٍ ورسالةٍ، استحال مرتعًا تتداعى إليه الهموم، ومسرحًا تعبث فيه الخواطر، حتى يغدو اليوم الطويل على صاحبه كأنه عامٌ من الكآبة، وتصبح الساعات أثقل وقعًا من الصخور على قلبٍ أضناه الصمت، وأوهنته العزلة.
ولقد جرت سنة الله أن النفوس لا تحيا بالأرزاق وحدها، وإنما تحيا بالأرواح التي تؤنسها، والقلوب التي تحتضنها، والكلمات التي تمسح عنها غبار الأسى؛ ولذلك امتنَّ الحق سبحانه على عباده بالألفة، ولم يمتنَّ عليهم بكثرة الأموال، فقال جل شأنه: « وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ»؛ لأن القلوب لا تُشترى، وإنما تُستمال بالإحسان، ولا تُملك بالذهب، وإنما تُفتح بمفاتيح الرحمة.
وما أكثر أولئك الذين أفنوا أعمارهم في ميادين الكسب، وساحات البذل، حتى إذا انقضت وظائفهم، أو أثقلتهم السنون، أو انقطعت بهم الأسباب، عادوا إلى بيوتٍ واسعة الأرجاء، خاوية المعاني، موحشة الجوانب، لا يُسمع فيها إلا صدى أنفاسهم، ولا يؤنسهم إلا طيفُ ذكرى يتردد بين جدران العمر. وليس كلُّ امرئٍ يجد إلى الأسفار سبيلًا، ولا كلُّ ذي يدٍ يمتلك أسباب الترفيه، فيجتمع عليه فراغ الزمن، وضيق ذات اليد، ووحشة النفس، فتتكاثر عليه الغموم كما تتكاثف السحب في الليلة الظلماء.
وهنا تتجلى المروءة في أبهى حللها، وتشرق الشهامة في أسمى معانيها، حين ينهض قومٌ من أهل الفضل، فيفتحون أبواب استراحةٍ، أو مزرعةٍ، أو مجلسٍ، ليجعلوه مرفأً للقلوب التي أنهكها الصمت، ومنتدىً للأرواح التي أعياها الانفراد.
وما تلك المجالس محاريبَ لا يُسمع فيها إلا الذكر، ولا مجالسَ يكسوها الوقار في كل لحظة؛ فإن الناس بشر، وللنفوس حاجةٌ إلى المؤانسة كما لها حاجةٌ إلى الموعظة. وإنما هي مجالس ألفةٍ ومودة، يلتقي فيها الإخوان، ويتبادلون أطراف الحديث، ويتذاكرون أخبارهم وتجاربهم، ويتمازحون بالمباح الذي يشرح الصدور، وتدور بينهم الكلمة الطيبة، والرأي النافع، والحكمة العفوية. وهكذا تمتزج لذة المؤانسة ببركة الفائدة، فلا يطغى هذا على ذاك، ولا تفسد البشاشة وقار المجلس، بل يكون الاعتدال تاجه، والأدب شعاره، والأخوة روحه.
وإن أصحاب هذه المجالس جديرون بالثناء والدعاء؛ إذ لم يبتغوا من ورائها سمعةً ولا مفاخرة، وإنما فتحوا أبوابهم للناس، وبذلوا أوقاتهم وأماكنهم ليكونوا سببًا في جمع القلوب، وإيناس النفوس. فكم من رجلٍ أثقلته الهموم، فانصرف عنها وقد انشرح صدره، وكم من شيخٍ أضناه الفراغ، فأعاد إليه لقاءُ إخوانه بهجةَ الأيام، وكم من معرفةٍ نشأت، وخبرةٍ انتقلت، ومودةٍ توثقت في تلك المجالس المباركة. فجزى الله أهلها خير الجزاء، وبارك في أوقاتهم وأموالهم، وجعل ما يبذلونه من إكرام الضيف، وحسن الاستقبال، وبشاشة الوجه، وإدخال السرور على المسلمين، في موازين حسناتهم.
وما أحوج الناس إلى أن يفقهوا أن من أعظم الصدقات جبرَ القلوب، وأن من أوسع أبواب البر مؤانسةَ المنفرد، وإدخالَ السرور على المهموم. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم..»؛ فما ظنك بسرورٍ يتجدد في قلب رجلٍ أنهكته السنون، وأثقل كاهله داء السكري وارتفاع ضغط الدم، وأضناه الفراغ، وأوحشته الأيام؟! أيكون بعد ذلك عملٌ أرجى عند الله من عملٍ أعاد إلى نفسٍ ذابلةٍ إشراقها، وإلى قلبٍ منقبضٍ سكينته؟
ثم انظر كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة المجتمع المؤمن جسدًا واحدًا، فقال: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فأين هذا الجسد إذا تُرك الشيخ لوحدته، والمتقاعد لعزلته، والمهموم لأحزانه؟ وأين الأخوة التي أعلنها القرآن في قوله تعالى: « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» إذا لم يجد الضعيف من يأخذ بيده إلى مجلسٍ يشرح صدره، ويبعث في روحه الأمل؟
إن المجتمعات لا تحفظها كثرة البنيان، وإنما تحفظها حرارة الإيمان، ولا تقيمها وفرة الأموال، وإنما يقيمها وفاء الرجال. وما أكثر القصور التي خلت من السعادة، وما أكثر المجالس المتواضعة التي امتلأت بالأنس، وأثمرت مودةً ورحمة، لأنها قامت على الإخلاص، وأُسست على المحبة، وصينت من اللغو المحرم والغيبة، وزانها الأدب، وعمرها الذكر إذا حضر، والكلمة الطيبة، وصالح المذاكرة.
فيا أهل المروءات، إنكم إذا هيأتم لهذه الفئة مجلسًا يأوون إليه، فقد شيدتم في الحقيقة حصنًا منيعًا في وجه الكآبة، وأقمتم جسرًا تعبر عليه النفوس من ضيق الوحشة إلى سعة الأنس، ومن ظلمة العزلة إلى نور الأخوة. وإنكم لتصنعون بذلك من المعروف ما لا تصنعه الأموال الكثيرة؛ لأن المال يبلغ اليد، أما الرحمة فتبلغ القلب، وما بلغ القلب دام أثره، واتسع نفعه، وعظم أجره.
فطوبى لمن جعل من وقته وقفًا على جبر الخواطر، ومن مجلسه مأوًى للقلوب المستوحشة، ومن بشاشته صدقةً جاريةً في الأرواح، ومن حضوره حياةً لقلوبٍ كادت تميتها العزلة. أولئك هم الذين إذا انقضت أعمارهم بقيت آثارهم في الأفئدة، تتردد لهم الدعوات في الأسحار، وتُرفع لهم الأكف في الخلوات؛ لأنهم أدركوا أن قيمة العمر ليست بطوله، وإنما بما امتلأ به من رحمة، وأن خير الناس عند الله أكثرهم نفعًا لعباده، قال تعالى: «وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا».