عبد العزيز الموسى
لم يعد السؤال: كيف وأين تقع الحروب؟ بل: لماذا لم تعد تتوقف؟! في زمنٍ لم تعد فيه الحروب أحداثًا طارئة، بل سياقًا ممتدًا يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يصبح الحديث عن السلم مسألة بقاء لا ترفًا فكريًا. فالمشهد من حولنا يكشف عن خرائط نزاع تتداخل فيها الجبهات، وتتقاطع فيها المصالح، وتُستنزف فيها الموارد والإنسان معًا. ولم تعد الصراعات محصورة في حدودٍ واضحة، بل تحولت إلى دوائر متسعة تُعيد إنتاج الواقع والمستقبل على نحوٍ متواصل، وتفرض كلفة تراكمية على استقرار المجتمعات ومساراتها التنموية.
مدن تُستنزف بلا أفق، واقتصادات تُعاد هندستها تحت ضغط النزاع، وأجيالٌ تتشكل في بيئات يغلب عليها الخوف أكثر من الأمل، حيث تتراجع القدرة على التنبؤ بالمستقبل وتضعف الثقة باستمرارية الاستقرار.
السِّلمُ، بهذا المعنى، ليس مجرد غيابٍ لإطلاق النار، بل هو قدرة مؤسسية واجتماعية على منع الانزلاق إلى الفوضى، وعلى إدارة الاختلاف قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح. وهو منظومة دقيقة تقوم على العدالة، وبناء الثقة، وفاعلية المؤسسات، وقدرتها على احتواء التوتر بدلاً من تركه يتراكم. وحين تغيب هذه العناصر، لا يبقى الفراغ محايدًا، بل يُملأ تدريجيًا بمنطق القوة وإعادة إنتاج الصراع.
وتشير خبرات عدد من البيئات المتأثرة بالنزاعات إلى أن غياب الاستقرار غالبًا ما يكون نتيجة تراكمات طويلة الأمد، تشمل تباطؤ النمو الاقتصادي، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتآكل الطبقات الوسطى. ومع استمرار هذه التراكمات، تتراجع سرديات التعايش لصالح سرديات الانقسام، وتتحول التوترات إلى حالة ممتدة قابلة لإعادة الإنتاج عبر الزمن، وما شهدته المنطقة من موجات اضطراب اجتماعي وسياسي خير شاهد.
وفي هذا السياق، يبرز إشكال أعمق يتجاوز السياسة المباشرة، ويتصل بطبيعة العلاقة بين المجالين الديني والسياسي. فلكل منهما منطقه وأعرافه: الدين يتحرك ضمن أفق قيمي معياري يهدف إلى التهذيب والضبط الأخلاقي، بينما تتحرك السياسة ضمن توازنات معقدة تحكمها المصالح والوقائع. وحين يختلط المجالان دون ضوابط، لا ينتج عن ذلك تكامل، بل توتر بنيوي يعيد تشكيل الصراع ويمنحه أبعادًا أكثر صلابة.
في عدد من السياقات الإقليمية، يتداخل البعد الهوياتي مع الصراع السياسي، بما في ذلك توظيف الدين في المجال العام، الأمر الذي ينقل الخلاف من نطاقه السياسي القابل للتسوية إلى مستوى أكثر صلابة يتصل بالهوية والانتماء. هذا الانتقال لا يغيّر فقط طبيعة النزاع، بل يعيد تعريف حدوده وأدواته، بحيث تتقلص مساحات التفاوض لصالح اصطفافات حادة يصعب تفكيكها أو إعادة إدماجها ضمن أطر توافقية. ومع مرور الوقت، يتحول هذا النمط من التسييس إلى إطار مرجعي ثابت تُعاد من خلاله قراءة الوقائع وتأويل الأحداث، بما يعزز منطق الاستقطاب ويمنحه طابعًا مستدامًا يتجاوز اللحظة السياسية إلى البنية الاجتماعية نفسها.
وفي هذا السياق، لا يعود الخلاف قابلاً للإدارة عبر الأدوات التقليدية، لأن أطرافه لا تتعامل معه بوصفه نزاع مصالح، بل بوصفه تعبيرًا عن تهديد وجودي للهوية، ما يرفع من سقف التصعيد ويُضعف قابلية التراجع أو التسوية. كما يؤدي هذا التداخل إلى إعادة تشكيل المجال العام، حيث تتراجع مساحات الاعتدال، وتتقلص مناطق التلاقي، ويُعاد توزيع الشرعية على أسس ضيقة تُقصي إمكانات التعددية والتعايش.
ومع تعمّق هذا المسار، يفقد الدين وظيفته الجامعة بوصفه منظومة قيمية وأخلاقية، ليُعاد توظيفه كأداة ضمن ديناميكيات الصراع، تُستدعى لتعبئة المواقف وتبريرها، لا لاحتوائها أو تهذيبها. وهنا تتضح معادلة دقيقة وحاسمة: الدين يفقد قوته حين يتحول إلى أداة في السياسة، والسياسة تزداد اضطرابًا حين تُدار بمنطق ديني مطلق. وبذلك، لا يسهم هذا التوظيف في حسم النزاعات، بل يعيد إنتاجها في دورات متكررة أكثر تعقيدًا وأطول أمدًا، ويقود إلى تعطيلٍ دائمٍ لمسارات التسوية، وإطالةٍ مستمرة لأمد الأزمات، بما يرسّخ حالة من عدم الاستقرار يصعب الخروج منها دون كلفة مرتفعة.
الإعلام غير المنضبط والخطاب المتوتر لا يكتفيان بعكس الأزمة، بل يسهمان في إعادة إنتاجها وتوسيع نطاقها اجتماعيًا ونفسيًا. فطريقة انتقاء الوقائع، وصياغة العناوين، وترتيب الأولويات، لا تنقل الحدث كما هو، بل تعيد بناءه ضمن سرديات تمنحه اتجاهًا ومعنى. ومع تغليبِ منطق الإثارة على التحقق، يتراجع التمييز بين الخبر والرأي، وتُختزل التعقيدات في ثنائيات حادة تُغذّي الاستقطاب وتُقصي مناطق التلاقي.
وفي البيئات الرقمية، تتسارع هذه العملية عبر خوارزميات تعزز الانتشار على حساب الدقة، وتكافئ المحتوى الأكثر إثارة للانتباه، ما يؤدي إلى تضخيم الخطاب المتطرف وتهميش الأصوات المعتدلة. كما تتشكل «دوائر صدى» تعيد تدوير الرسائل ذاتها داخل مجموعات متجانسة، بما يعمّق القناعات المسبقة ويُضعف قابلية المراجعة والنقد.
ومع التكرار، لا يظل الإعلام ناقلًا للأحداث، بل يتحول إلى فاعلٍ في تشكيلها، عبر ترسيخ تصورات ذهنية وأنماط إدراك تؤثر في السلوك الفردي والجماعي، وتعيد تعريف ما يُعدّ مقبولًا أو مرفوضًا في المجال العام. بهذا المعنى، يصبح الإعلام جزءًا من بنية الصراع ذاتها، لا مجرد مرآة لها، بما يُعقّدُ فرص الاحتواء، ويُطيل أمد الأزمات، ويُعمّق كلفتها الاجتماعية والنفسية.
وتُظهر تجارب متعددة أن تآكل الثقة بين المؤسسات والمجتمعات، وكذلك بين الدول، يمثل أحد العوامل الحاسمة في انتقال الخلافات من نطاق محدود إلى أزمات ممتدة. فحين تتراجع الثقة، تضيق مساحات الوساطة والتسوية، وتتسع احتمالات التصعيد، حتى في الملفات القابلة للحل سياسيًا ودبلوماسيًا. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على الثقة شرطًا أساسيًا لأي استقرار مستدام.
ومن هنا، يُعاد تعريف السِّلمِ بوصفه مشروعًا طويل الأمد، لا يقتصر على وقف النزاع، بل يمتد إلى بناء شروط منعه. وهو مشروع يتطلب تداخلًا بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، إلى جانب تطوير خطاب عام يقلل من الاستقطاب ويعزز مساحات التفاهم. فالسِّلمُ ليسَ لحظة قرار، بل عملية تراكمية تقوم على إدارة دقيقة للتوازنات داخل المجتمع وبين الدول.
وفي السياق الإقليمي الأوسع، يفرض الترابط المتزايد بين الدول والمجتمعات أن أي اضطرابٍ محلي يمكن أن يمتد تأثيره إلى محيطه، وأن الاستقرار لم يعد شأنًا داخليًا خالصًا. ومن هنا، تبرز أهمية تنسيقِ الجهود بين دول وشعوب العرب والمسلمين في إدارة الشأن العام، بما يسهم في احتواء النزاعات، وتقليل آثارها، ومنع تحولها إلى دواماتٍ ممتدة من الصراع.
في النهاية، لم يعد الفارق بين السِّلم والاستنزاف مجرد فارق بين الحرب وغيابها، بل أصبح فارقًا بين مسارين: أحدهما يُبنى فيه الاستقرار على أسس قابلة للاستمرار، وآخر تُعاد فيه إنتاج الأزمات بشكل دائم، بما يعيد تشكيل الإقليم والعالم على نحو أكثر هشاشةً وعدم يقين.
فالبديل عن السلم ليس الخلاف.. بل استنزافٌ مفتوح لا يتركُ خلفه إلا المزيد من الهشاشة.
إلى اللقاء.