محمد بن عبدالله آل شملان
تواصل إيران انتهاج سياسة تقوم على المماطلة وكسب الوقت، متجاوزةً ما نصت عليه «مذكرة التفاهم» مع الولايات المتحدة، في محاولة فرض واقع جديد يمنحها نفوذاً منفرداً على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتسعى طهران إلى التعامل مع المضيق وكأنه ورقة ضغط سياسية، تملك حق التحكم في حركة الملاحة داخله، وفرض قيود وإجراءات تتعارض مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تؤكد ضمان حرية المرور العابر في المضائق الدولية وتحظر على الدول الساحلية تعطيل الملاحة أو فرض رسوم وإجراءات خارج إطار القانون.
ولا تقف هذه السياسة عند حدود التلويح بالسيطرة على المضيق، بل تمتد إلى تهديد أمن التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، بما يحمله ذلك من انعكاسات اقتصادية وأمنية تطال مختلف دول العالم.
وفي الوقت ذاته، تواصل إيران نهجها القائم على التدخلات والاعتداءات بحق دول الجوار العربي، في تجاهل واضح لمبادئ السيادة واحترام الحدود وحسن الجوار، وهو ما يزيد من حدة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
وخلال الأيام الماضية، شهد مضيق هرمز سلسلة من الحوادث التي استهدفت سفناً وناقلات أثناء عبورها، كان أبرزها اعتراض الحرس الثوري الإيراني سفينتين بدعوى مخالفتهما للوائح يفرضها من جانب واحد، الأمر الذي أدى إلى اندلاع حريق في إحداهما وفقدان أحد أفراد طاقمها.
ويعكس هذا السلوك محاولة لفرض قواعد لا تستند إلى شرعية قانونية، وهو ما قوبل برد عسكري أمريكي استهدف مواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى مستودعات ذخيرة ومنظومات اتصالات ومراقبة ساحلية.
ورغم ما ترتب على تلك التطورات، لا يبدو أن طهران أعادت النظر في حساباتها، إذ تواصل السير في مسار يحمل كثيراً من المغامرة وسوء التقدير.
فالتجارب أثبتت أن السياسات القائمة على التصعيد والمراهنة على فرض الأمر الواقع غالباً ما تنتهي بعواقب ثقيلة، يكون المواطن الإيراني أول من يتحمل تبعاتها الاقتصادية والسياسية.
كما يواصل النظام الإيراني تصعيده تجاه عدد من الدول العربية، عبر هجمات وتهديدات تستهدف أمن الكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان والأردن، في تصرفات لا تغير من موازين القوى، ولا تنال من عزيمة الدول التي تملك القدرة على حماية سيادتها والدفاع عن أمنها الوطني.
فأمن الخليج يمثل خطاً أحمر، وسيادة الدول ليست ملفاً قابلاً للمساومة أو الابتزاز تحت أي ظرف.
وفي المحصلة، تبدو إيران وكأنها تختار توسيع دائرة المواجهة مع محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي، عبر سياسات تقوض فرص بناء الثقة وتنسف أسس حسن الجوار.
فمحاولات فرض النفوذ بالقوة، وتعطيل الممرات الدولية، واستعداء دول المنطقة، لن تقود إلا إلى مزيد من العزلة، في وقت يتطلع فيه العالم إلى ضمان أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة، بعيداً عن أي محاولات لاحتكار أحد أهم الممرات البحرية أو إخضاعه لإرادة طرف واحد.